محمد رأفت سعيد
92
تاريخ نزول القرآن الكريم
التقوى فقال تعالى في سورة العلق : أَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى ( 11 ) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى ( 12 ) [ العلق ] وفي سورة القلم - هنا - بيان لمن اتصف وتخلق بها ، وما أعد الله لهم من جنات النعيم . ويوضع من تخلق بالقيم الجديدة التي جاء بها الإسلام في كفة ميزان ، ومن أجرم في حق نفسه وفي حق غيره في كفة أخرى ، فهل يستوى من أسلم مع من أجرم ؟ . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما وغيره : قالت كفار مكة : إنا نعطى في الآخرة خيرا مما تعطون فنزلت : أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ( 35 ) ، ثم وبخهم فقال : ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ( 36 ) [ القلم ] هذا الحكم الأعوج كأن أمر الجزاء مفوض إليكم حتى تحكموا فيه بما شئتم أن لكم من الخير ما للمسلمين ، أم لكم كتاب تجدون فيه المطيع كالعاصى ، وزاد في التوبيخ فقال : أم لكم عهود ومواثيق مؤكدة علينا أن يدخلكم الله الجنة وليس الأمر كذلك ، وسل يا محمد هؤلاء المتقولين على الله أيهم كفيل بما ذكر ، وأيهم قائم بالحجة والدعوى . أم أن لهم شركاء يشهدون على ما زعموا إن كانوا صادقين في دعواهم فليأتوا بشركائهم إن أمكنهم « 1 » . يقول الله تعالى : إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 34 ) أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ( 35 ) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ( 36 ) أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ( 37 ) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ ( 38 ) أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ ( 39 ) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ ( 40 ) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ [ القلم ] . وفي هذه الآيات المنزلة في السورة الثانية إرساء لعقلية جديدة ناجحة ينبغي أن تنظر في الأمور وأن تزن الأعمال والمواقف ، وأن تلزم في نظرتها الحجة والبرهان ، وليس التخير بالهوى وإلا تسلك سبيل الادعاء . وتستمر الآيات الكريمة المنزلة في السورة الثانية في تقديم الضوابط للسلوك الإنسانى حتى يستقيم وينهض من اعوجاجه ، فتذكر باليوم الآخر الذي سبق ذكره في السورة الأولى إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى ( 8 ) [ العلق ] ولكن هنا في السورة الثانية يقول الله تعالى : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ( 42 ) خاشِعَةً
--> ( 1 ) الجامع لأحكام القرآن 18 / 236 ، 237 .