محمد رأفت سعيد
93
تاريخ نزول القرآن الكريم
أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ ( 43 ) [ القلم ] . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : هو يوم القيامة يوم كرب وشدة « 1 » . وهذه الآية من بدايات البيان والتفصيل لهول يوم القيامة ، وما يحدث للناس فيه ، تقرع به الآذان لتستيقظ من غفلتها ، ولتثوب إلى رشدها ، ولتكون على يقين الرجعى إلى الله ، فينضبط سلوكها في الحياة . فعن أبي بردة عن أبي موسى قال : حدثني أبى قال : سمعت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « إذا كان يوم القيامة مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون في الدنيا فيذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ويبقى أهل التوحيد ، فيقال لهم : ما تنتظرون وقد ذهب الناس ، فيقولون : إن لنا ربا كنا نعبده في الدنيا ولم نره ، قال : وتعرفونه إذا رأيتموه فيقولون : نعم ، فيقال : فكيف تعرفونه ولم تروه ، قالوا : إنه لا شبيه له فيكشف لهم الحجاب ، فينظرون إلى الله تعالى ، فيخرون له سجدا ، وتبقى أقوام ظهورهم مثل صياصي البقر ( يعنى قرونها ) فينظرون إلى الله تعالى فيريدون السجود فلا يستطيعون فذلك قوله تعالى : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ( 42 ) « 2 » . ويأتي التنبيه للربط بين العمل في الدنيا والجزاء في الآخرة على هذا العمل في هذا المشهد الذي يدعى فيه هؤلاء إلى السجود في هذا اليوم الشديد فلا يستطيعون ، فإنهم كانوا يدعون في الدنيا - وهي دار الأعمال - إلى هذا السجود فلم يستجيبوا من أجل هذا ذلت أبصارهم وذل حالهم في الدار الآخرة . وتنتقل الآيات الكريمة لتضع أمام الناس سنة من سنن الله مع خلقه ممن كذب بهذا الحديث ، إنها سنة الاستدراج وهي الأخذ قليلا قليلا من حيث لا يعلمون ، فلا يستعجلون وكذلك من سنته سبحانه أن يملى لهم فلا يعاجلهم بل يعطيهم ويمهلهم حتى إذا أخذهم كان أخذ عزيز مقتدر . يقول الله تعالى مسليا لرسوله صلّى اللّه عليه وسلم - وهو يرى موقف من كذب بالوحي المنزل : فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ( 44 ) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ( 45 ) . أي إن عذابي لقوى شديد فلا يفوتني أحد . وتستمر الآيات الكريمة في بيان شأن المشركين المعرضين عن الوحي ، والمعاندين لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم لتتساءل هل تثاقلهم عن الاستجابة نتيجة لطلبك منهم أجرا على ما تقدم
--> ( 1 ) تفسير القرآن العظيم لابن كثير 4 / 407 . ( 2 ) الجامع لأحكام القرآن 18 / 249 ، 250 .