محمد رأفت سعيد

89

تاريخ نزول القرآن الكريم

التي يفتتح بها الرب سبحانه بعض السور ، وهي أحادية وثنائية وثلاثية ورباعية وخماسية ولم تجاوز الخمسة ، ولم تذكر قط في أول سورة إلا وأعقبها بذكر القرآن ؛ إما مقسما به وإما مخبرا عنه ، ما خلا سورتين سورة « كهيعص » ، و « ن » . كقوله تعالى : ألم ( 1 ) ذلِكَ الْكِتابُ [ البقرة ] ، وقوله جل شأنه : ألم ( 1 ) اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ( 2 ) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ [ آل عمران ] ، وقوله تعالى : المص ( 1 ) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ [ الأعراف ] ، وقوله تعالى : المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ [ الرعد : 1 ] ، وهكذا ففي هذا تنبيه على شرف هذه الحروف ، وعظم قدرها وجلالتها إذ هي مباني كلامه وكتبه التي تكلم سبحانه بها ، وأنزلها على رسله ، وهدى بها عباده وعرفهم بواسطتها نفسه وأسماءه وصفاته وأفعاله وأمره ونهيه ووعيده ووعده ، وعرفهم بها الخير والشر ، والحسن والقبيح ، وأقدرهم على التكلم بها بحيث يبلغون بها أقصى ما في أنفسهم بأسهل طريق وأقل كلفة ومشقة ، وأوصله إلى المقصود وأدله عليه ، وهذا من أعظم نعمه عليهم ، كما هو من أعظم آياته ، ولهذا عاب سبحانه على من عبد إلها لا يتكلم ، وامتنّ على عباده بأن أقدرهم على البيان بها بالتكلم فكان في ذكر هذه الحروف التنبيه على كمال ربوبيته ، وكمال إحسانه وإنعامه ، فهي أولى أن يقسم بها من الليل والنهار والشمس والقمر والسماء والنجوم وغيرها من المخلوقات ، فهي دالة أظهر دلالة على وحدانيته وقدرته وحكمته وكماله وكلامه وصدق رسله . وقد جمع سبحانه بين الأمرين - أعنى القرآن ونطق اللسان - وجعل تعليمها من تمام نعمته وامتنانه كما قال تعالى : الرَّحْمنُ ( 1 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ ( 2 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ ( 3 ) عَلَّمَهُ الْبَيانَ ( 4 ) [ الرحمن ] فبهذه الحروف علم القرآن ، وبها علم البيان ، وبها فضل الإنسان على سائر أنواع الحيوان ، وبها أنزل كتبه ، وبها أرسل رسله ، وبها جمعت العلوم وحفظت ، وبها انتظمت مصالح العباد في المعاش والمعاد ، وبها يتميز الحق من الباطل ، والصحيح من الفاسد ، وبها جمعت أشتات العلوم ، وبها أمكن تنقلها في الأذهان ، وكم جلب بها من نعمة ودفع بها من نقمة ، وأقيلت بها من عثرة ، وأقيمت بها من حرمة ، وهدى بها من ضلالة ، وأقيم بها من حق وهدم بها من باطل ، فآياته سبحانه في تعليم البيان كآياته في خلق الإنسان ، ولولا عجائب صنع الله ما ثبتت تلك الفضائل في لحم ولا عصب . فسبحان من هذا صنعه في هواء يخرج من قصبة الرئة فينغم في الحلقوم ، وينغرس في أقصى الحلق ، ووسطه وآخره وأعلاه وأسفله ، وعلى وسط