محمد رأفت سعيد
90
تاريخ نزول القرآن الكريم
اللسان وأطرافه ، وبين الثنايا ، وفي الشفتين والخيشوم ، فيسمع له عند كل مقطع من تلك المقاطع صوت غير صوت المقطع المجاور له فإذا هو حرف ، فألهم سبحانه الإنسان بضم بعضها إلى بعض ، فإذا هي كلمات قائمة بأنفسها ، ثم ألهمهم تأليف تلك الكلمات بعضها إلى بعض فإذا هي كلام دال على أنواع المعاني أمرا ونهيا ، وخبرا واستخبارا ونفيا وإثباتا ، وإقرارا وإنكارا ، وتصديقا وتكذيبا ، وإيجابا واستحبابا ، وسؤالا وجوابا إلى غير ذلك من أنواع الخطاب ؛ نظمه ونثره وموجزه ومطوله على اختلاف لغات الخلائق ، كل ذلك صنعته - تبارك وتعالى - في هواء مجرد خارج من باطن الإنسان إلى ظاهره ، في مجار قد هيئت وأعدت لتقطيعه وتفصيله ، ثم تأليفه وتوصيله ، فتبارك الله رب العالمين وأحسن الخالقين « 1 » . ومن تأمّل الإمام ابن القيم في شأن الحرف المخلوق ، وافتتاح السورة به ، تدرك كيف تكون بدايات التنزيل تحريكا للعقول البشرية ؛ لتفكر وتتأمل وتنظر وتتعلم ، فالسورة الأولى بدئت بقوله تعالى : اقْرَأْ [ العلق : 1 ] ، ووجهت إلى التعليم ، والسورة الثانية يذكر في بدايتها مع صيغة قسم ما يذكر بالحروف وأداة الكتابة والتعلم . ويأتي القسم الكريم ، والذي يذكر بالحروف التي هي أوعية المعاني وأبنيتها ، وبالقلم الذي هو أداة العلم وتسطيره ، ليؤكد هذا القسم على أهمية العلم الذي ذكره في السورة الأولى ، وتأتى الآية الكريمة التالية ؛ لتستنبط منها كيف أن الناس قد خاضوا في شخصية الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، وأن بعضهم رماه بالجنون ، وهذا يدل على أن حديث الوحي وما نزل من القرآن قد شاع بين الناس وانقسموا تجاهه بين مؤمن وكافر ، وأن الكافرين قد سلكوا مسلك التحدي والعناد والمواجهة ، ومن صور ذلك الخوض في هذه الشخصية الكريمة التي صيغت على عين الله تبارك وتعالى وبفضله : أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ( 6 ) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ( 7 ) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى ( 8 ) [ الضحى ] . فقالوا عنه : « مجنون » فهل يعدون الخروج على باطلهم جنونا ؟ وهل يعدون الذكر المنزل ، والذي يحملهم ويشجعهم على الفكر والتعلم جنونا ؟ ، وهل يعدون إنقاذه لهم من الضلال المبين الذي شمل عقائدهم وتصوراتهم وسلوكهم جنونا ؟ . إنّ الله يقسم ليسمعوا وليعلموا ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ( 2 ) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ( 3 ) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ( 4 ) [ القلم ] .
--> ( 1 ) التبيان في أقسام القرآن ص 126 - 128 .