محمد رأفت سعيد
82
تاريخ نزول القرآن الكريم
ودافعت عنه ووقفت في وجه من أراد أن ينقذ البشرية من هذا الطغيان ، ومن ظلم الإنسان لنفسه ولغيره . فتقرير مبدأ الرجعى والمنتهى والمعاد مبدأ في السورة الأولى ، وهو - كما أشرنا - أساسي وضروري يعصم الإنسان من الطغيان لنفسه ولغيره ، وتقدم لنا الآيات الكريمة في استفهام بلغت للسامع صورة من صور هذا الطغيان المواجه للخير والاستقامة ، والذي يدل على إصرار صاحبه في المحافظة على جو الظلم وظلماته ، فيمنعه أن يسمع كلمة يهدى الحيارى ، أو أن يرى فعلا يوقظ في الإنسان معنى العبودية لله تعالى ، إنه لا يحب أن يرى صالحا في نفسه أو هاديا إلى البر والصلاح والتقوى فيقول الله تعالى : أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى ( 9 ) عَبْداً إِذا صَلَّى ( 10 ) أَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى ( 11 ) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى ( 12 ) أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 13 ) أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى ( 14 ) [ العلق ] . والذي يلفت نظرنا هنا : أن الآيات الأولى تقرر الحقائق بصورة مجملة ليتبعها التفصيل بعد ذلك ، فذكر المعاد يذكر إجمالا ؛ ليفصّل بالأدلة والبراهين بعد ذلك لتنتقل بنا الآيات الكريمة إلى معوقات البناء الإنسانى المتمثلة في نماذج الطغاة ، ومنهم الطاغية الذي أشارت إليه الآيات بهذا الاستفهام ، وهو أبو جهل - لعنه الله . أخرج ابن المنذر عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال أبو جهل : هل يعفر وجهه بين أظهركم ؟ فقيل : نعم ، فقال : واللات والعزى لئن رأيته يفعل لأطأن على رقبته ، ولأعفرن وجهه في التراب ، فأنزل اللّه : كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى . . . ( 6 ) الآيات . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : كان رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم يصلى فجاءه أبو جهل فنهاه ، فأنزل الله : أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى ( 9 ) عَبْداً إِذا صَلَّى ( 10 ) إلى قوله تعالى : كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ ( 16 ) . وفي رواية أنه رأى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم في الصلاة فنكص على عقبه ، فقالوا له : مالك يا أبا الحكم ؟ فقال : إن بيني وبينه لخندقا من نار وهولا شديدا ، وفي هذا الموقف دلالة على أن الآيات الأخيرة من السورة الكريمة نزلت بعد أن انتشر الأمر وعرف الناس الصلاة بالصورة التي بدئت بها في أول الأمر ، ولكن ليس الفارق الزمنى كبيرا . لقد تعرفنا على مجموعة من المبادئ التي تضمنها القسم الأول من السورة ، ثم تعرفنا على المبادئ الضابطة للسلوك الإنسانى ليستقيم على هذه المبادئ ؛ ومنها حمايته من الطغيان بتذكره لربه وفقره إليه عدم استغنائه عنه ، ثم بتذكر الرجعى ، ثم بالوقوف