محمد رأفت سعيد
83
تاريخ نزول القرآن الكريم
على نموذج الطغاة متمثلا في أبى جهل ، وكيف كان حاله ؟ إن حاله يدعو إلى العجب الذي نجده في الخطاب مع الرسول على سبيل التعجب أَ رَأَيْتَ ؟ ووجه التعجب في ذلك أمور منها : أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم كان يدعو : اللهم أعز الإسلام إما بأبى جهل بن هشام أو بعمر فكأنه تعالى قال له : كنت تظن أنه يعز به الإسلام أمثله يعز به الإسلام ؟ وهو ينهى عبدا إذا صلى ، ومن وجوه التعجب كذلك : أن أبا جهل كان يلقب بأبى الحكم فكأنه تعالى يقول : كيف يليق به هذا اللقب وهو ينهى العبد عن طاعة ربه ؟ أيوصف بالحكمة من يمنع عن طاعة الرحمن ويسجد للأوثان ؟ ومن هذه الوجوه كذلك : أن ذلك الأحمق يأمر وينهى ، ويعتقد أنه يجب على الآخرين طاعته مع أنه ليس بخالق ولا رب ، ثم إنه ينهى عن طاعة الرب والخالق ألا يكون هذا غاية الحماقة ؟ وينهى من ؟ ينهى عبدا ، والتنكير هنا يفيد أمورا منها : الدلالة على كون العبد كاملا في العبودية ، كأنه يقول : إنه عبد لا يفي العالم بشرح بيانه وصفة إخلاصه في عبوديته ، يصدق هذا المعنى ما روى من أن يهوديا من فصحاء اليهود جاء إلى عمر في أيام خلافته فقال : أخبرني عن أخلاق رسولكم ، فقال عمر : اطلبه من بلال فهو أعلم به منى . ثم إن بلالا دله على فاطمة ثم فاطمة ، دلته على على رضي اللّه عنهم فلما سأل عليّا عنه قال : صف لي متاع الدنيا حتى أصف لك أخلاقه ، فقال الرجل : هذا لا يتيسر لي ، فقال على : عجزت عن وصف متاع الدنيا ، وقد شهد الله على قلته حيث قال : قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ [ النساء : 77 ] . فكيف أصف أخلاق النبي وقد شهد اللّه تعالى بأنه عظيم حيث قال : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ( 4 ) [ القلم ] ، فكأنه تعالى قال : ينهى أشد الخلق عبودية عن العبودية وذلك عن الجهل الحمق . كما يدل التنكير على أن هذا النهى كان دأبه وعادته فينهى كل من يرى وهذا أبلغ في الندم . كما أن هذا له دلالة كذلك في التخويف لكل من نهى عن الصلاة ، ويستمر التعجب في خطاب الله سبحانه لرسوله صلّى اللّه عليه وسلم : أَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى ( 11 ) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى ( 12 ) ؟ [ العلق ] وهذا ينسجم مع الخطاب السابق أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى ( 9 ) عَبْداً ، وينسجم مع الخطاب اللاحق : أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 13 ) ؟ ويكون المعنى : أرأيت إن كان هذا الكافر على الهدى ، أي صار على الهدى ، واشتغل بأمر نفسه ، أما كان يليق به ذلك