محمد رأفت سعيد
81
تاريخ نزول القرآن الكريم
ولذلك نجد المبدأ التالي يدعم ما مضى حيث يقترن الأمر بالقراءة بالتذكير بالرب الأكرم سبحانه ؛ فمنه وحده النعم التي يسديها بلا مقابل ، وهذا يملأ القلوب حبا للمنعم تبارك وتعالى . المبدأ الثالث في الآيات : أن أجل نعم الله على الإنسان أن علّمه وهداه إلى الانتفاع بهذا العلم ، فأرشده إلى تقييده بالقلم واستثارته بالقراءة ؛ فالعلم إذن منه سبحانه ، ولا علم للإنسان إلا من خالقه الأكرم سبحانه ، فهو الذي خلقه وأخرجه من بطن أمه لا يعلم شيئا وأمده بأجهزة التعلم فجعل له السمع والأبصار والأفئدة ، وعلمه ما لم يكن يعلم . وذكر العلم في هذا السياق وامتزاجه بالمبادئ السابقة يجعله علما نافعا مفيدا للإنسان وللبشرية ؛ فهو علم مسبوق ومصحوب بذكر الخالق سبحانه ، وذكر آلائه ونعمه ، ومسبوق بالتهيئة النفسية للاستجابة لأمر الله ، وتحقيق التوحيد في قلب الإنسان ؛ توحيد الألوهية والربوبية . من هذا ، نستنتج تاريخ هذه المبادئ القرآنية ، وأنها تمثل أهمية كبرى حيث بدئ بها وعنيت بها الآيات الأولى من التنزيل الحكيم وهي إذن مفاتيح البناء التي ينبغي أن نعنى بها في تربية أبنائنا ونفوسنا . وتمضى بنا آيات السورة الكريمة الأولى في تقرير مجموعة أخرى من المبادئ التي تمثل تحذيرا من الخروج عن المبادئ الأولى السابقة ، فالأول منها التحذير من الوقوع في دائرة الطغيان ، ويرتبط بذلك بيان عامل هذا الطغيان الأساسي ، وهو أن يتصور الإنسان في لحظة من اللحظات أنه يمكن أن يستغنى عن خالقه ورازقه وآمره وناهيه ، فينسب ما فيه من رزق إلى مهارته وجهده ناسيا كيف خلق من علق ؟ وكيف رزق وعلم ؟ وكيف وجه وأمر من ربه ليرشده إلى فلاحه ؟ أو أن يصل إلى الغنى المادي بطريق غير مشروع فيرى نفسه غنيا فيدعوه هذا الغنى بالباطل إلى الطغيان ، وتجاوز الحد في البغى والعدوان . المبدأ الثاني في هذه التنبيهات والتحذيرات - والذي يمثل وقاية للإنسان من هذا الطغيان : أن يتذكر مبدأ الرجوع إلى الله إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى ( 8 ) ، وهذا أول تنبيه من الوحي للإنسان نحو هذه الحقيقة التي نسيها أو تعامى عنها أو أنكرها ، وحول حياته نتيجة لهذا الإنكار أو التغافل إلى حياة ظالمة طاغية عاشت على الظلم واستمرأته ،