محمد رأفت سعيد
354
تاريخ نزول القرآن الكريم
حياة الناس عند نزول الوحي ، وكيف عنى العرب بفنّ القول ، وأجادوا فيه وأنزل الله كلامه الذي أعجزهم بيانه فلم يستطيعوا الإتيان بمثله أو بعشر سور من مثله أو بسورة من مثله ، ولو تظاهر في ذلك الإنس والجن . فأسلوب المخلوق يستحيل أن يرقى إلى كلام الخالق سبحانه . ولكنّ عدم المشابهة بين القرآن الكريم والشعر وغيره من الكلام الفصيح والبليغ لا يفهم منها محاربة القرآن الكريم للشعر والشعراء بصورة عامة بل إن إعجاز القرآن الكريم في جانبه البياني يكون أكثر وضوحا عندما يعتاد الناس جيد القول نثرا وشعرا ، وعندما يفشو فيهم تذوق الكلمة ، ولذلك فإن هذه السورة الكريمة التي سميت بسورة الشعراء تلفت الانتباه إلى حقيقة التفضيل في أمر الشعر والشعراء . وأن الشعر وإن كان كلاما موزونا مقفى ، فإنه لا ينبغي أن يخرج عن دائرة الضوابط الشرعية التي ترشد الكلمة ، لتكون طيبة نافعة تؤتى ثمارها ، فجيّد الشعر كجيد الكلام مقبول ، وقبيح الشعر كقبيح الكلام مذموم ومرفوض ، ويرتبط الكلام بقائله في الحالتين شعرا ونثرا . ولقد وجد الناس هذا المعنى في نظرة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم إلى الشعر والشعراء ولا يفهم من هذا أن الإسلام ضيّق الأمر على الشعراء أو أثّر على شاعريتهم تأثيرا سلبيا كلا ؛ بل إنه أطلق لهم الإبداع في التعبير عن المعاني المستحسنة شرعا وطبعا وفي ظل ضوابطه كان إنتاج الكثير من الشعراء موافقا لتصور الإسلام للشعر والشعراء . روى مسلم من حديث عمرو بن الشّريد عن أبيه قال : ردفت رسول الله صلى يوما فقال : « هل معك من شعر أمية بن أبي الصّلت شئ ؟ ، قلت : نعم . قال : « هيه » فأنشدته بيتا . فقال : « هيه » ثم أنشدته بيتا ، فقال : « هيه » حتى أنشدته مائة بيت « 1 » . يقول القرطبىّ : وفي هذا دليل على حفظ الأشعار والاعتناء بها إذا تضمنت الحكم والمعاني المستحسنة شرعا وطبعا ، وإنما استكثر النبي صلّى اللّه عليه وسلم من شعر أمية ؛ لأنه كان حكيما ، ألا ترى قوله عليه الصلاة والسلام : « وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم » . ولذلك أطلق العلماء على الشعر الأحكام الفقهية من الحل والحرمة والندب والكراهة والإباحة . قال أبو عمر : ولا ينكر الحسن من الشعر أحد من أهل العلم ولا من أولى النهى ، وليس أحد من كبار الصحابة وأهل العلم وموضع القدرة إلا وقد قال
--> ( 1 ) القرطبي 13 / 145 .