محمد رأفت سعيد
355
تاريخ نزول القرآن الكريم
الشعر ، أو تمثل به أو سمعه فرضيه ما كان حكمة أو مباحا ، ولم يكن فيه فحش ولا خنا ولا لمسلم أذى ، فإذا كان كذلك فهو والمنثور من القول سواء لا يحل سماعه ولا قوله ؛ وروى أبو هريرة قال : سمعت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم على المنبر يقول : « أصدق كلمة - أو أشعر كلمة - قالتها العرب قول لبيد : ألا كلّ شئ ما خلا الله باطل » أخرجه مسلم وزاد : « وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم » وروى عن ابن سيرين أنه أنشد شعرا فقال له بعض جلسائه : مثلك ينشد الشعر يا أبا بكر . فقال : ويلك يا لكع ، وهل الشعر إلا كلام لا يخالف سائر الكلام إلا في القوافي ، فحسنه حسن وقبيحة قبيح . وأما ما رواه مسلم رحمه الله عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير من أن يملئ شعرا » وفي الصحيح - أيضا - على أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال : « خذوا الشيطان - أو أمسكوا الشيطان - لأن يمتلئ جوف رجل قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا » فإن للعلماء توجيها لهذا قالوا فيه : إنما فعل النبي صلّى اللّه عليه وسلم هذا مع هذا الشاعر لما علم من حاله ، فلعلّ هذا الشاعر كان ممن قد عرف من حاله أنه قد اتخذ الشعر طريقا للتكسب فيفرط في المدح إذا أعطى ، وفي الهجو والذم إذا منع ، فيؤذى الناس في أموالهم وأعراضهم ولا خلاف في أن من كان على مثل هذه الحالة ، فكلّ ما يكتسبه بالشعر حرام ، وكل ما يقوله من ذلك حرام عليه ، ولا يحل الإصغاء إليه ، بل يجب الإنكار عليه . وقيل كذلك : إن الذي غلب عليه الشعر وامتلأ صدره منه دون علم سواه ، ولا شئ من الذكر ممن يخوض به في الباطل ، ويسلك به مسالك لا تحمد له ، كالمكثر من اللغط والهذر والغيبة وقبيح القول ، ومن كان الغالب عليه الشعر لزمته هذه الأوصاف المذمومة الدنية لحكم العادة الأدبية ، وهذا المعنى هو الذي أشار إليه البخاري في صحيحه لما بوّب على هذا الحديث : « باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر » . وقد ذكرت الآيات الكريمة تعليلا لمذمة الشعراء الذين يتبعهم الغاوون في أنهم في كل لغو يخوضون ، ولا يتبعون سنن الحق لأن من اتّبع الحق وعلم أنه يكتب عليه ما