محمد رأفت سعيد

331

تاريخ نزول القرآن الكريم

طه فقرأها فلما قرأ منها صدرا قال : ما أحسن هذا الكلام وأكرمه ! فلما سمع ذلك خبّاب خرج إليه ، فقال له : يا عمر والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصّك بدعوة نبيّه فإني سمعته أمس وهو يقول : « اللهم أيّد الإسلام بأبى الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب » فالله الله يا عمر . فقال له عند ذلك : فدلني يا خبّاب على محمد حتى آتيه فأسلم ، وذكر الحديث « 1 » . وعلى ذلك فإن سورة « طه » مكية نزلت قبل إسلام عمر رضي اللّه عنه وأما ما ذكره بعض الناس من أن الآيتين الكريمتين : فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى ( 130 ) وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى ( 131 ) . مدنيّتان فليس لهذا القول دليل يعتدّ به ، وقد أشار إلى ذلك القرطبي رحمه الله في مسألة ذكر فيها قول ابن عطية فقال القرطبي : « قال بعض الناس : سبب نزول هذه الآية ما رواه أبو رافع مولى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، قال : نزل ضيف برسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، فأرسلني عليه الصلاة والسلام إلى رجل من اليهود ، وقال : قل له يقول لك محمد : نزل بنا ضيف ولم يلف عندنا بعض الذي يصلحه فبعنى كذا وكذا من الدقيق ، أو أسلفني إلى هلال رجب » ، فقال : لا ، إلا برهن . قال : فرجعت إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فأخبرته فقال : « والله إني لأمين في السماء ، أمين في الأرض ، ولو أسلفني أو باعني لأدّيت إليه ، اذهب بدرعى إليه » ونزلت الآية تعزية له عن الدنيا ، قال ابن عطية : وهذا معترض أن يكون سببا ؛ لأن السورة مكية والقصة المذكورة مدنية في آخر عمر النبي صلّى اللّه عليه وسلم ؛ لأنه مات ودرعه مرهونة عند يهودي بهذه القصة التي ذكرت وإنما الظاهر أن الآية متناسقة مع ما قبلها ، وذلك أن الله تعالى وبّخهم على ترك الاعتبار بالأمم السالفة ثم توعّدهم بالعذاب المؤجّل ، ثم أمر نبيه بالاحتقار بشأنهم والصبر على أقوالهم ، والإعراض عن أموالهم وما في أيديهم من الدنيا ، إذ ذلك منصرم عنهم صائر إلى خزى « 2 » . وعندما نتناول ما تضمنته سورة « طه » من المعاني على ترتيب نزولها فأول ما نظفر به من هذه المعاني ، ما خوطب به النبي صلّى اللّه عليه وسلم من بيان خصائص الوحي المنزل عليه ، وأنه يرفع الحرج ويدفع المشقة وهو اليسر كلّه ومع بيان الغاية من تنزيل القرآن الكريم ، وأنه تذكرة يأتي البيان بأن أهل التذكرة والانتفاع به هم أهل الخشية . كما يأتي البيان الذي يطمئن الناس على كمال هذا الوحي وشموله وعلاجه لما خفى وما ظهر ، وهدايته العامة

--> ( 1 ) القرطبي 11 / 163 ، 164 . ( 2 ) القرطبي 11 / 262 .