محمد رأفت سعيد

317

تاريخ نزول القرآن الكريم

الموحى به من الكتاب هو الحق الذي يوافق ما كان من وحى سابق في كتب سابقة ، وجاء به رسل سابقون وقد بشّر بهذا الحق في هذه الكتب وعلى ألسنة هؤلاء الرسل فمسيرة وحى الله في خلقه سابقة منذ الجماعة البشرية الأولى في آدم وزوجته وخاتمة الوحي في هذا الكتاب العزيز ، وعلى لسان رسول الله محمد صلّى اللّه عليه وسلم . وضمّن الله وحيه ما يناسب خلقه وما يسعدهم في شؤون حياتهم ومعادهم ، فهو سبحانه الخبير البصير وكان من فضل الله الكبير على هذه الأمة أن اصطفاها واصطفى لها الإسلام دينا ، وأورثها الكتاب المهيمن والمصدق لما قبله ولكن تعادت أفراد هذه الأمة فمنهم من ظلم نفسه بالمعاصي ، ومنهم من اقتصر على أداء الواجبات ومنهم من سارع في الخيرات واجتهد فسبق بتوفيق الله له . وشملهم جميعا فضل الله فأسكنهم جنات عدن على درجاتهم ، وفي هذا حثّ لهذه الأمة أن تكون من القسم السابق بالخيرات بإذن الله ، قال تعالى : وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ( 31 ) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ( 32 ) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ ( 33 ) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ( 34 ) الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ ( 35 ) . ومع ذكر أهل الجنة مع تفاوت مراتبهم تذكر الآيات الكريمة الكافرين وجزاءهم الذي يصيرون إليه في نار جهنم ، وحالتهم الشديدة في هذا العذاب والذي يتفق مع تماديهم في الكفر وإصرارهم عليه ، وكيف يطلبون العودة في غير وقتها وتنبه الآيات الناس إلى هذه الحقيقة ، وتضع أمامهم مثل هذا المطلب ليكون في أدائه ويتدارك الإنسان موقفه قبل أن تضيع فرصة العمل في هذه الحياة ، قال تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ( 36 ) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ( 37 ) . وتعين الآيات المنزلة بعد ذلك الناس للنجاة من الكفر وأعماله فإن الكفر لا سند له من العقل أو النقل ، وأنه لا معبود بحق إلا الله . فهو عالم غيب السماوات والأرض ، وهو الذي خلقهما وخلق ما فيهما وما بينهما ، ويعلم ما تكنّه صدور الناس ويعلم أن الذين يطلبون العودة إلى الدنيا بعد فوات الأوان كاذبون ، وأنهم لو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه . ولذلك فإن من أراد النجاة من الكفر فلينظر إلى حقيقة أمره وكيف كانت مسيرة