محمد رأفت سعيد

318

تاريخ نزول القرآن الكريم

الخلق فقد جعل الله الناس خلائف في الأرض خلفا بعد خلف ، وقرنا بعد قرن وقد رأى الناس عاقبة من كفر في الدنيا من الضلال والهلاك والمقت والغضب والخسران . ثم لينظر الكافر إلى من اتخذه معبودا له من دون الله هل خلق شيئا من الأرض أم له مشاركة في خلق السماوات وتدبيرها ؟ . فإن لم يكن هؤلاء المعبودون قد خلقوا بل خلقوا بأيدي عابديهم من الكافرين فكيف يعبدون ؟ وهل زعم أحد أن الله سبحانه أمر أحدا من خلقه باتخاذ هؤلاء شركاء له في العبادة سبحانه ؟ . الأمر إذن ليس إلا تزيين الشيطان لضعاف العقول باتخاذ هؤلاء شركاء لله سبحانه واستمرار هؤلاء المغرورين بتزيين الشيطان في توارث هذا الضلال والكفر . قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 38 ) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَساراً ( 39 ) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلَّا غُرُوراً ( 40 ) . ومع تزيين الشيطان لضعاف العقول باتخاذ الشركاء واستمرار هؤلاء المغرورين في توارث هذا الضلال والكفر ، وأن آلهتهم المزعومة لا تقدر على خلق شئ من السماوات والأرض . بعد ذلك تخبر الآيات الكريمة أن خالق السماوات والأرض وممسكهما هو الله فلا يوجد حادث إلا بإيجاده ولا يبقى إلا ببقائه ، قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً ( 40 ) . فالآية الكريمة تحرّك العقول والقلوب أمام هذا الخلق العظيم الذي لا يقدر عليه إلا الله ، وهذه النعمة الكبرى في أنه سبحانه يمسك السماوات والأرض عن الزوال ليحصل لخلقه القرار والانتفاع بهما ، فيتحقق للناظر المعتبر ما يكون من الإجلال والتعظيم للقادر العظيم جل جلاله ، والحب له تبارك وتعالى لعظيم نعمه على خلقه ، وليستحى الكافرون من التعلق بالضعفاء العاجزين ولتتوجّه قلوبهم إلى الخالق المنعم الرحيم بعباده سبحانه . كما يمكن أن يفهم السامع لهذا التقرير الكريم شؤم الشرك والمخالفة لأمر الله سبحانه فشركهم يقتضى زوال السماوات والأرض كما جاء في قوله تعالى : تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا ( 90 ) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً ( 91 ) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً ( 92 ) [ مريم ] . ولكنه سبحانه وتعالى حليم ويمهل ولا يهمل ، كما سيتضح من المعاني الآتية في هذه السورة الكريمة . فقد كشفت الآيات المنزلة بعد ذلك حال هؤلاء المشركين ، ومنه ما كان من غيّهم أن يكون منهم رسول كما كان الرسل في بنى