محمد رأفت سعيد
30
تاريخ نزول القرآن الكريم
الصلاة ، ومن الناس من يرى أنه أمّهم في السماء ، والذي تظاهرت به الروايات أنه في بيت المقدس ، ولكن في بعضها أنه كان أول دخوله إليه ، والظاهر أنه بعد رجوعه إليه ؛ لأنه لما مر بهم في منازلهم جعل يسأل عنهم جبريل واحدا ، واحدا وهو يخبر بهم ؛ ويرى ابن كثير أن هذا هو اللائق لأنه كان أولا مطلوبا إلى الجناب العلوي ليعرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى ، ثم لما فرغ من الذي أريد به اجتمع هو واخوته ، ثم أظهر شرفه وفضله عليهم بتقديمه للإمامة ، وذلك عن إشارة جبريل عليه السّلام له في ذلك ، ثم خرج من بيت المقدس فركب البراق وعاد إلى مكة . والله سبحانه وتعالى أعلم . وكان ذلك ببدنه وروحه - عليه الصلاة والسلام - يقظة وليس - كما يزعم البعض - بروحه فقط وأنه كان مناما . والدليل على ذلك قوله تعالى : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ [ الإسراء : 1 ] . فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام ، فلو كان مناما لم يكن فيه كبير شئ ، ولم يكن مستعظما ، ولما بادرت كفار قريش إلى تكذيبه ، وأيضا فإن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد ، وقد قال تعالى : أَسْرى بِعَبْدِهِ وقال تعالى : وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [ الإسراء : 60 ] . قال ابن عباس : هي رؤيا عين ، أريها رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ليلة أسرى به ، وقال تعالى : ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى ( 17 ) [ النجم ] . والبصر من آلات الذات لا الروح ، وأيضا فإنه حمل على البراق - وهو دابة بيضاء براقة لها لمعان - وإنما يكون هذا للبدن لا للروح ؛ لأنها لا تحتاج في حركتها إلى مركب تركب عليه والله أعلم « 1 » . وعلى هذا كانت صورة الوحي هنا فوق السماوات ، وكان مما فرض فيها الصلاة ، وفرضية الصلاة في هذه المرتبة يدل على شرفها وقدرها ومنزلتها بين الفرائض الأخرى ، وكذلك أهميتها في حياة الإنسان ، وثمرتها في حياته ، أما منزلتها من الفرائض الإسلامية فتأتي بعد كلمتي الشهادة ، فالإسلام بنى على خمس ؛ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا . وهي من الإسلام عماده ، قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « رأس الأمر الإسلام ، وعموده الصلاة ، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله » ، وهي أول ما يحاسب عليه العبد . قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة ؛ فإن صلحت صلح سائر عمله ، وإن فسدت فسد سائر عمله » « 2 » . وهي آخر وصية وصى به رسول الله
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير 4 / 324 ، ط الأندلس . ( 2 ) رواه الطبراني .