محمد رأفت سعيد
31
تاريخ نزول القرآن الكريم
صلى اللّه عليه وسلم أمته عند موته حيث جعل يقول : « الصلاة ، الصلاة وما ملكت أيمانكم » . وأما أهميتها وثمرتها في حياة الفرد والأمة ، فإنها العمل الذي بإقامته على وجهه الصحيح يذكر بها ربه ، فيطمئن قلبه ، وتهدأ نفسه ، وينشرح صدره ، وتسعد بها حياته ، ولولا هذه الصلة لضاق الصدر ، وضاقت الحياة ، ووضع في الضنك ، وصار الشيطان قرينه ، مفسدا عليه حياته ، وهي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر ، وهي التي تجمع المسلم بإخوانه كل يوم خمس مرات في بيت من بيوت الله ، فتأتلف قلوبهم ، ويعالجون أمور حياتهم ، فهذه الفريضة بهذه المكانة العظيمة ، وبهذا الأثر العظيم كان إيجابها بمخاطبة الله سبحانه لرسوله صلى اللّه عليه وسلم ليلة المعراج من غير واسطة ، قال أنس : « فرضت الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم ليلة أسرى به خمسين ، ثم نقصت حتى جعلت خمسا ، ثم نودي يا محمد : إنه لا يبدل القول لدى ، وإن لك بهذه الخمس خمسين » . رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه « 1 » . هذه هي مرتبة ما أوحاه الله إليه وهو فوق السماوات ليلة المعراج . ومن مراتب الوحي وصوره مع الرسول الكريم والتي ذكرها ابن القيم رحمه الله : كلام الله له كما كلم الله موسى بن عمران ، وهذه المرتبة ثابتة لموسى عليه السّلام قطعا بنص القرآن الكريم ، وبثبوتها لنبينا صلى اللّه عليه وسلم وهو في حديث الإسراء ، وقد ذكرنا بعضا من ذلك سابقا . ويقول ابن القيم : وقد زاد بعضهم مرتبة وهي تكليم الله له كفاحا من غير حجاب ، وهذا على مذهب من يقول : إنه صلى اللّه عليه وسلم رأى ربه تبارك وتعالى ، وهي مسألة خلاف بين السلف والخلف ، وإن كان جمهور الصحابة مع أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها ، كما حكاه عثمان بن سعيد الدارمي إجماعا للصحابة « 2 » . وبعد تناولنا لهذه المراتب ينبغي أن نبرز ما يلي : أولا : رؤي الأنبياء - كما مر بنا - ليست من قبيل أضغاث الأحلام ، فإذا كانت الرؤيا إدراك يقوم بجزء من القلب لا يحله النوم فإن الأنبياء لا يستولى النوم على قلوبهم ، ولا على جزء منها . ثانيا : لم ينزل شئ من القرآن على النبي صلى اللّه عليه وسلم في النوم بل نزل كله يقظة ، وأما ما جاء في صحيح الإمام مسلم عن أنس قال : مر بنا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا في المسجد إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما فقلنا : ما أضحكك يا رسول الله ؟ فقال : « أنزل علىّ آنفا سورة فقرأ : بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْناكَ
--> ( 1 ) فقه السنة 1 / 90 . ( 2 ) زاد المعاد : 1 / 80 .