محمد رأفت سعيد
209
تاريخ نزول القرآن الكريم
القرآن الكريم أنزل فيها أي أنزل إلى السماء الدنيا جملة ليلة القدر ، ثم إلى الأرض نجوما كما قال ابن عباس رضي اللّه عنهما . وكان ابتداء إنزاله - كما قال الشعبي - ليلة القدر . ثم تتابع نزوله بعد ذلك على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم منجما على ثلاثة عشر عاما تقريبا . وهذا الوصف لهذه الليلة بالقدر ، وأنها المباركة من الشهر الكريم المبارك شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ [ البقرة : 185 ] يثير انتباه الناس إلى حقيقة ما هم فيه ، ولكي يدركوا حق هذا القدر عليهم أن ينظروا نظرة سريعة إلى صفحة الحياة قبل ليلة القدر ، وصفحة الحياة بعدها ليقفوا على شرف ما وصلت إليه الحياة ، وعلى النقلة الكبيرة التي حدثت لهم من صورة مظلمة قاتمة قبل ليلة القدر لا تبصر فيها إلا الضلال المبين في العقيدة ، والتصورات للإنسان وللكون وللحياة ، وفي النفس ، وفي العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية إلى صورة مشرقة منيرة عرف الإنسان فيها ربه ، واقتدى بنبيه صار في السراء شاكرا وفي الضراء صابرا وصار للحياة متفائلا مؤملا في رحمة الله الواسعة ، صار ذا قلب تقى نقى ونفس مطمئنة يعرف حق الله فيؤديه ، وحق إخوانه فيفي به ، يرعى من يعول ويحسن إلى الآخرين بل ويعفو عن المسئ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة . إنها صورة ترى فيها ملامح الحياة الطيبة العزيزة التي تليق بالإنسان وكرامته إذا أمعن الإنسان النظر في الصورتين ؛ صورة الجاهلية بظلماتها وضلالها وخمول الذكر فيها ، وصورة ما بعد ليلة القدر التي عاش الناس فيها بالإسلام وهديه ونوره والحق الذي جاء به يدرك قيمة ليلة القدر . وزاد الله هذه الأمة خيرا بليلة القدر ونبههم إليه بقوله الكريم وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ ( 2 ) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ فجعل الله قيامها والعمل فيها خيرا من قيام ألف شهر وصيامها ليس فيها ليلة القدر . وهذا قول قتادة واختيار الفراء وابن قتيبة والزجاج « 1 » وهذا جبر لهذه الأمة التي تطمح في الخير الكثير وعمرها دون طموحها ، قال مالك في الموطأ من رواية ابن القاسم وغيره : سمعت من أثق به يقول : إن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أرى أعمار الأمم قبله ، فكأنه تقاصر أعمار أمته ألا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر ، فأعطاه الله تعالى ليلة القدر ، وجعلها خيرا من ألف شهر « 2 » .
--> ( 1 ) زاد المسير 9 / 191 . ( 2 ) القرطبي 20 / 133 .