محمد رأفت سعيد
208
تاريخ نزول القرآن الكريم
سورة « القدر » وبعد هذا البيان في سورة عبس والذي تضمن وصف الذكر الحكيم الذي فيه هداية الناس ، وأن من شاء ذكره في صحف مكرمة بأيدي سفرة كرام بررة . يأتي مزيد من البيان للناس في جلالة القرآن عند الله تعالى ، وقدر الزمن الذي شرف بنزول القرآن فيه في سورة القدر التي نزلت بعد سورة عبس : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ( 1 ) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ ( 2 ) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ( 3 ) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ( 4 ) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ( 5 ) . فسورة القدر سورة مكية كما روى ذلك أبو صالح عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، وقال الماوردي : إنه قول الأكثرين كما ذكر ابن الجوزي رحمه الله . وهو الصواب أي أن سورة القدر نزلت بعد سورة عبس . وأما الضحاك ومقاتل فيقولان : إنها مدنية ، وذكر الواقدي أنها أول سورة نزلت بالمدينة ، وقال الثعلبي : إنه قول الأكثرين « 1 » ولكنّ الأرجح هو القول الأول وهذا - أيضا - ما أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير وعائشة أنها نزلت بمكة ، وتبين للناس قدر ما نزل إليهم فهو كما وصف في السورة التي سبقت في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة ، إنه كتاب ذو قدر أنزل على رسول ذي قدر ، على أمة ذات قدر في ليلة مباركة ذات قدر ينزل فيها ملائكة ذوو قدر « 2 » . هذا على معنى أن القدر يعنى العظمة ، قال ذلك الزهري ويشهد له قوله تعالى : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [ الأنعام : 91 ] وما قيل في معنى القدر من المعاني الأخرى فإنه لا يخرج عن دائرة العظمة والشرف فقد قيل : إنه من الضيق ويفسر الضيق - هنا - بأن الأرض تضيق فيها عن الملائكة الذين ينزلون ، قاله الخليل بن أحمد ، وهذا - أيضا - دليل احتفاء بهذه الليلة العظيمة ويشهد له قوله تعالى : وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ [ الطلاق : 7 ] . وقيل : إن القدر بمعنى الحكم قاله مجاهد وسميت بذلك لأن الله تعالى يقدّر فيها ما يشاء من أمره ، إلى مثلها من السنة القابلة من أمر الموت والأجل والرزق وغيره « 3 » . وقيل : لأن من لم يكن له قدر صار بمراعاتها ذا قدر ، قاله أبو بكر الوراق . فكما نرى أن المعاني كلها تؤكد فيها معنى العظمة والشرف والقدر لأن القرآن
--> ( 1 ) انظر : زاد المسير 9 / 181 ، والقرطبي 20 / 129 . ( 2 ) القرطبي 20 / 131 . ( 3 ) القرطبي 20 / 131 ، وزاد المسير 9 / 182 .