محمد رأفت سعيد
200
تاريخ نزول القرآن الكريم
سورة « عبس » وبعد أن تعرفنا على مجموعة المسائل التي عرضتها سورة النجم ؛ ومنها ما يتعلق بالوحي وتنزيه النبي صلّى اللّه عليه وسلم عن الضلال ، والاطمئنان على مسيرة الوحي من الله سبحانه إلى رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، وأن طريق المعرفة اليقينية بعلم الغيب هو ما يخبر به رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم عن ربه ، وتعرفنا على حال الناس مع وحى الله بين مستجيب ومعرض ووصف المستجيبين والمعرضين تثبيتا لمن استجاب وتوجيها وتحريكا لمن أعرض حتى يفكر في أمر نفسه ونجاتها لعله أن يهتدى . والإعانة على ذلك بتقديم مجموعة من آيات الله سبحانه في الكون وفي النفس وفي سننه مع خلقه وفي المعاش والمعاد . تستمر سورة « عبس » في مخاطبة المستجيبين والمعرضين لتربية الفرد والجماعة ، ولإرساء قيم الإسلام في حياة الناس وسلوكهم . فهي مكية في قول الجميع ، ونزلت بعد سورة « النجم » واسمها من أول كلمة فيها تحكى حدثا ملفتا فمن الذي « عبس » أي قبض وجهه تكرها - كما يقول الطبري « 1 » ؟ إنه صاحب الخلق العظيم والذي عرف بالرحمة واللين . ولذلك فإن السورة الكريمة تثير الانتباه ، وتربى بموقف من مواقف الدعوة يتعرض لقيم عاش عليها الناس قبل الإسلام ، وتحكمت في حياتهم وأوقعتهم في كثير من المظالم ، فليكن هذا التوجيه بارزا بهذا الموقف ، وليكن الطرف الأهم فيه رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم والطرف الثاني رجل من أتباعه أسلم وحسن إسلامه وذاق حلاوة النقلة إلى وحى الله والعيش في ظل طاعته ، وطلب المزيد مما يزكى قلبه فجاء يسعى وهو يخشى يطلب الذكرى كشأن من ذاق حلاوة الإيمان من المؤمنين فقد سارت الدعوة وجرت في دمائهم وصارت حلاوة الإيمان فوق ما يواجهون به من تحديات . وجاء وصف هذا الطرف الثاني للموقف بأنه أعمى . وهذا الوصف يفيد فائدتين : الأولى : التنبيه إلى القيمة الاجتماعية التي تكون لمثله في مجتمع ما قبل الإسلام وقيمه . الفائدة الثانية : بيان ما يمكن أن يكون من نتائج العلاقة بين « عبس » و « الأعمى » فإن الذي لا يرى لن يكون تأثيره بقبض الوجه تكرها كتأثير غيره .
--> ( 1 ) تفسير الطبري 30 / 50 .