محمد رأفت سعيد
201
تاريخ نزول القرآن الكريم
أما الطرف الثالث في هذا الموقف فيتمثل في جماعة من المعرضين عن وحى الله جاء وصفهم بالاستغناء وسواء كان هذا الاستغناء بالثروة والمال ، أو الاستغناء عن وحى الله وتوجيهاته والإصرار على ما هم عليه من جاهلية ، فإن النتيجة واحدة في انشغالهم وإعراضهم عن وحى الله ودعوة رسوله صلّى اللّه عليه وسلم . أحببت أن أقدم لأطراف الموقف التربوي هذا قبل أن أذكر الموقف بأحداثه لأبرز المعنى الذي قد يغطّى عليه في غمرة ما قيل من أن الموقف عتاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو أن الموقف يعلى من قيمة جديدة جاء بها الإسلام في علاقة العبد بربه سبحانه وفي علاقة الناس ببعضهم فيكون قدر الإنسان في إيمانه وتقواه . ويبطل الموقف قيمة جاهلية في وزن الناس بمقدار ما يملكون من مال وما ينتمون إليه من عصبية وهذه القيمة الجاهلية وقفت عقبة أمام الكثير منهم ، وحرمتهم من الدخول في دين الله والنجاة به خشية أن يكون بجوار مثل هذا الأعمى فضلا عن أنها أفسدت علاقة الناس ببعضهم ، وما تبع هذا الفساد من مظالم شتى ولما كان هذا متحكما في الناس لم يكن تغييره يسيرا . بل احتاج إلى توجيهات متعددة وبأساليب متنوعة وبتطبيقات عملية من رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم والذين معه - كما سنرى بعد قليل - ومنها هذا الموقف التربوي في قوله تعالى : عَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 ) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ( 2 ) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ( 3 ) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى ( 4 ) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى ( 5 ) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ( 6 ) وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ( 7 ) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى ( 8 ) وَهُوَ يَخْشى ( 9 ) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ( 10 ) كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ ( 11 ) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ( 12 ) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ( 13 ) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ( 14 ) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ( 15 ) كِرامٍ بَرَرَةٍ ( 16 ) . قال المفسرون : أتى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ابن أمّ مكتوم - وأمّ مكتوم أمّ أبيه ، واسمه عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من بني عامر بن لؤي - وعنده صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل ابن هشام ، والعباس بن عبد المطلب ، وأمية بن خلف ، والوليد بن المغيرة يدعوهم إلى الإسلام ، رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم ، فقال للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : أقرئنى وعلمني مما علمك الله ، وكرر ذلك ، فكره رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قطعه لكلامه ، وعبس وأعرض عنه فنزلت هذه الآيات ، وكان رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم يكرمه ويقول إذا رآه : « مرحبا بمن عاتبني فيه ربى » ويقول : « هل لك من حاجة » ، واستخلفه على المدينة بعد ذلك مرتين « 1 » في غزوتين غزاهما . قال أنس : فرأيته يوم القادسية
--> ( 1 ) انظر : تفسير الرازي 31 / 54 ، والقرطبي 19 / 211 وما بعدها ، وزاد المسير 9 / 26 ، والطبري 30 / 50 ، 51 ، وابن كثير 4 / 470 ، وفتح القدير 5 / 382 ، 383 .