محمد رأفت سعيد

20

تاريخ نزول القرآن الكريم

صورة مجىء ملك الوحي في هيئة رجل وهي صورة أخرى من صور الوحي مع النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، يتكلم معه الملك في مشهد من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم . ويعنى هذا أن الجالسين يرونه ، ويسمعون قوله ، يتضح ذلك بتأملنا في الحديث الذي رواه عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال : بينما نحن جلوس عند رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل ، شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر ، لا يرى عليه أثر السفر ، ولا يعرفه منا أحد ، حتى جلس إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ، ووضع كفيه على فخذيه ، وقال : يا محمد : أخبرني عن الإسلام ، فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتى الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا » ، قال : صدقت ، قال : فعجبنا له يسأله ويصدقه ، قال : فأخبرني عن الإيمان ، قال : « أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره » ، قال : صدقت ، قال : فأخبرني عن الإحسان ، قال : « أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » ، قال : فأخبرني عن الساعة ، قال : « ما المسؤول عنها بأعلم من السائل » ، قال : فأخبرني عن أماراتها ، قال : « أن تلد الأمة ربتها ، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان » ، قال : ثم انطلق فلبثت مليا ، ثم قال لي : « يا عمر أتدري من السائل ؟ » قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : « فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم » « 1 » . ففي هذا الحديث الجامع الذي قال عنه القاضي عياض رحمه الله فيما حكاه النووي ، في شرحه للحديث في صحيح مسلم : « وهذا الحديث قد اشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة ؛ من عقود الإيمان ، وأعمال الجوارح ، وإخلاص السرائر ، والتحفظ من آفات الأعمال ، حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه ، ومتشعبة منه ، قال : وعلى هذا الحديث وأقسامه الثلاثة ألّفنا كتابنا الذي سميناه ب « المقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان » ؛ إذ لا يشذ شئ من الواجبات والسنن والرغائب والمحظورات والمكروهات عن أقسامه الثلاثة ، والله أعلم « 2 » .

--> ( 1 ) صحيح مسلم 157 - 160 . ( 2 ) صحيح مسلم بشرح النووي 1 / 158 .