محمد رأفت سعيد
21
تاريخ نزول القرآن الكريم
ففي هذا الحديث جاء جبريل في صورة رجل يعلم الجالسين على لسان رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أمور دينهم ، في صورة سؤال وجواب ، وهي طريقة لطيفة تيسر توصيل المفاهيم وتثبيتها ، وتعين على حفظها ، كما أن مجىء جبريل في صورة رجل ليعلم الجالسين وغيرهم أدب طلب العلم في حسن الجلوس وحسن المتابعة والإنصات ، وهذه مهمة أساسية في الإسلام فالرسول الكريم بعث معلما للعالمين ، وهذا العلم الذي يعلمه هو علم النجاة ، وأصحابه هم حملة هذا العلم عنه ، وهم المبلغون له من بعده ، ولا بدّ من حسن المنهج والسير عليه في تلقيهم لهذا العلم وتبليغه فكانت مهمة جبريل عليه السّلام في أداء هذا الدرس العملي . والذي يحكى لنا هذا المشهد صحابي جليل من تلاميذ مجالس النبي الكريم العلمية ، إنه عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، ووصفه للمجلس كان دقيقا ، ورؤيته للسائل وطريقة سؤاله كانت دقيقة ، أشعرنا فيها منذ قراءتنا الأولى للحديث أن السائل ليس رجلا عاديا . فالرجل - كما جاء في وصف عمر - طلع عليهم وهم جلوس عند رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، ولا يعرفه من الجالسين أحد ، ومعنى ذلك أنه غريب عن المكان ، ويقتضى ذلك أنه قادم من سفر ، ولكن المدهش أنه لا يرى عليه أثر السفر ؛ لا في ثيابه ، ولا في شعره ؛ فثيابه وصفت بأنها شديدة البياض ، وشدة البياض مع السفر تجعل أثر الغبار واضحا مهما كان يسيرا ، فالبياض يظهره ، وكذلك الشعر ، شديد السواد ، لا أثر لغبار الطريق عليه ، وبعد وصف عمر للرجل في ذاته ، يصفه في هيئته التعليمية ؛ حيث جلس إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم جلسة الأدب ، فاقترب من المعلم حيث أسند ركبتيه إلى ركبتيه ، ووضع كفيه على فخذيه ، كما يضع الإنسان وهو جالس للتشهد ، وأخذ يسأل ، ويتابعه عمر في أسئلته ليقدم لنا تعجبا آخر يشعرنا به أن شيئا وراء هذا الرجل ، فسأل عن الإسلام ، ولما أجابه النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال له الرجل : صدقت . وسبب التعجب أن هذا خلاف عادة السائل الجاهل ، وإنما هذا كلام خبير بالمسؤول عنه ، ولم يكن في ذلك الوقت من يعلم هذا غير النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ولذلك قال عمر : فعجبنا له يسأله ويصدقه ، وصدق عمر في تعجبه وتوقعه فالرجل ليس عاديا ، فإنه لما انتهى من أسئلته وانصرف وطلب النبي صلّى اللّه عليه وسلم أن يردوه لم يجدوا أحدا ، أي أنه منذ تركه للمجلس قد اختفى عنهم ، فليس غريبا مسافرا ، وليس بشرا منهم ، بل جاء على صورة بشر ليقوم بهذه المهمة ، قال الرسول لهم : « إنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم » . ووصف عمر يفيد أن جبريل عليه السّلام عندما كان يأتي في هذه الصورة البشرية ليعلم جديدا ، أو ليراجع ما علم ، أو غير ذلك كان مشاهدا يسمعه الجالسون ويرونه ، وهذه