محمد رأفت سعيد

183

تاريخ نزول القرآن الكريم

كما روى النسائي حديثا لجابر بن عبد الله رضي اللّه عنه قال : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « اقرأ يا جابر » قلت : وما أقرأ بأبى أنت وأمي ؟ قال : « اقرأ قل أعوذ برب الفلق ، و « قل أعوذ برب الناس » فقرأتهما فقال : « اقرأ بهما ولن تقرأ بمثلهما » . وأما أمّ المؤمنين عائشة رضي اللّه عنه فتبين كيف كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يقرأ بهن ، وينفث في كفّيه ويمسح بهما رأسه ووجهه وما أقبل من جسده ، وقالت أيضا أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه بالمعوذات ، وأمسح بيده عليه رجاء بركتها روى ذلك الإمام مالك ، عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي اللّه عنها ، ورواه البخاري عن عبد الله بن يوسف . ومسلم عن يحيى بن يحيى وعيسى بن يونس ، وابن ماجة من حديث معن وبشر بن عمر ثمانيتهم جميعهم عن مالك به . وفي حديث أبي سعيد رضي اللّه عنه أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم كان يتعوذ من أعين الجان وأعين الإنسان فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سواهما ، رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة ، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح « 1 » . ونزول المعوذتين بعد ذكر أصحاب الفيل في سورة الفيل وعداوتهم ، وقدومهم لهدم البيت العتيق ، وبعد ذكر الكافرين وعداوتهم الملحوظة والمشاهدة ، ومنها هذه المساومة على العقيدة والمبادئ ، وحسم الأمر فيها في سورة « الكافرون » ، يبصّر المؤمنين بمصادر أخرى للعداوة والشر ، ولكنها مصادر ضعيفة على خطرها وعلى استعمال شرها ، وأن المؤمن يجد في اللجوء إلى ربه والاعتصام به ما يحميه من هذه الشرور . فهذا تنبيه وتعريف بالمخاطر من جهة وحتى يكون المؤمنون على بينة من أمرهم ومعرفة بمصادر الخطر حولهم ، وأن يتعرفوا في الوقت نفسه كيف يسلمون من هذه المخاطر ، وكيف يطمئنون إلى حماية الله لهم فهو ربهم ورب الخلق أجمعين ، وأنه سبحانه يوجههم إلى طلب هذه الحماية وهذا الاعتصام وينزّل من آياته ما يصلون به إلي هذا الأمن من المخاوف . وهذا تأكيد لهذه الحماية حيث عرفهم طريقها بقراءة المعوذتين فهما عوّذتا صاحبهما أي : عصمتاه من كل سوء « 2 » . فما هذا السوء ؟ وما المخاطر التي عرّف بها المؤمنون في سورة الفلق ، وفي

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير 4 / 572 ، 573 . ( 2 ) المصباح المنير 437 .