محمد رأفت سعيد
184
تاريخ نزول القرآن الكريم
سورة الناس ؟ تضمنت المعوذتان التنبيه على مجموعة من المخاطر التي لا سلامة منها إلا باللجوء إلى رب الفلق وربّ الناس سبحانه وتعالى . وإذا كان الفلق هو الصبح كما يذكر ابن عباس رضي اللّه عنه وغيره « 1 » ، ومثل ذلك قوله تعالى : فالِقُ الْإِصْباحِ [ الأنعام : 96 ] أو كان الفلق بمعنى الخلق كما ذكر علىّ بن أبي طلحة عن ابن عباس أيضا فإنه يذكر للمؤمنين - هنا - وأمر للنبي صلّى اللّه عليه وسلم بأن يتعوذ بفالق الإصباح ، فإنه وحده هو الذي يخرج من يقع تحت وطأة ظلمات الليل وما تصحبها من مخاوف وما يكتنفها من توقع للمخاطر ، وما يحدث فيه من هجمات الهموم والأحزان ، ومن هجمات اللصوص وقطاع الطرق ، وما يثيره لدى ضعاف النفوس من إمكانية إيقاع الشرور في خفاء دون أن يبصّرهم أحد . هذا الليل المشحون يمثل هذه المخاطر والتي عبر عنها شاعر جاهلي بقوله : وليل كموج البحر أرخى سدوله * علىّ بأنواع الهموم ليبتلى فقلت له لما تمطّى بصلبه * وأردف أعجازا وناء بكلكل ألا أيّها الليل الطويل ألا انجلى * بصبح وما الإصباح منك بأمثل إن هذا الليل بصورته هذه لا يكشفه إلا فالق الإصباح ، ولا يذهب همومه ويبدّد مخاوفه ، ويشيع فيه الأمن إلا اللجوء إلى فالق الإصباح سبحانه ، ولا ينجّى من مخاطر الخلق وشرهم فيه وفي بقية الزمن إلا رب الخلق سبحانه . قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ( 1 ) مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ ( 2 ) وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ ( 3 ) وهذا ما يرجّح المعنيين فقد تجاور ذكر الله الاستعاذة من شر ما خلق أي : من شر جميع المخلوقات من إنس وجن وحيوانات ، وما نجده من تخصيص لدى بعض العلماء ، فإنما هو تركيز على ما يرونه أكثر شرّا ، وأجمع خطرا فنجد ثابت البناني والحسن البصري يقولان : جهنم وإبليس وذريته مما خلق « 1 » . وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ ( 3 ) أي من شرّ الليل إذا أقبل بظلامه ، قال ذلك مجاهد وحكاه البخاري . ففي هذا تحصين من الزمان وما يحدث فيه بصدق اللجوء إلى رب الفلق سبحانه ، وتنبه سورة الفلق كذلك إلى مصادر أخرى للشرّ تكمن في نفوس مريضة لم تحسن
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير 4 / 573 .