محمد رأفت سعيد

180

تاريخ نزول القرآن الكريم

هذا الانتساب فإن صدقوا ، وكانوا على حالة ترضى الله تبارك وتعالى أيدهم على قلتهم وضعفهم المادي . ثالثا : إذا لم يكن للحق من ينتسب إليه انتسابا صحيحا كما كان الحال في انتساب المشركين إلى البيت الحرام ، حيث عبدوا الأوثان ، ووضعوها حوله ، فإن الله تعالى يحمى بيته وينصر الحق لا لكرامة هؤلاء المشركين ، وإنما لأنه حق بلا أهل يعتدّ بنسبتهم إليه . وهذه السنة بهذا الإيجاز تطمئن المؤمنين بأن الله ناصرهم ومؤيدهم ، وأنه يجبر ضعفهم وقلتهم ، وأنه سبحانه سيمكن لهم فلا يرهبون كافرا ، ولا يخشون معاديا متربصا . وأما التنبيه ولفت النظر للمشركين فإنما يمكن في تجنبهم مخاطر أبرهة وجيشه وكيف أنعم الله عليهم بهذه النجاة حتى حسبوا ذلك نصرا لهم . قال ابن كثير رحمه الله : فهذه من النعم التي امتن الله بها على قريش فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة ، ومحو أثرها من الوجود فأبادهم الله وأرغم آنافهم وخيّب سعيهم وأضلّ عملهم وردّهم بشرّ خيبة ، وكانوا قوما نصارى ، وكان دينهم إذ ذاك أقرب حالا مما كان عليه قريش من عبادة الأوثان ، ولكن كان هذا من باب الإرهاص والتوطئة لمبعث رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فإنه في ذلك العام ولد على أشهر الأقوال ولسان حال القدر يقول : لم ينصركم يا معشر قريش على الحبشة لخيريتكم عليهم ، ولكن صيانة للبيت العتيق الذي سنشرفه ونعظمه ونوقره ببعثة النبي الأمى محمد - صلوات الله وسلامه عليه خاتم الأنبياء . فكان مقتضى هذا الإنعام أن يفتحوا صدورهم ويقبلوا على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم مستجيبين طائعين ، وأن يعبدوا رب هذا البيت ، وأن يخلعوا من قلوبهم عبادة الأصنام . فهذا تنبيه لهم يشبه التنبيه في سورة قريش حيث يقول الله تعالى : لِإِيلافِ قُرَيْشٍ ( 1 ) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ ( 2 ) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ ( 3 ) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ( 4 ) . إن سورة الفيل تفتح عيون المؤمنين والكافرين كذلك للعبرة التاريخية ، فالقرآن الكريم يمنح الناس جميعا خلاصة تجارب السابقين من المؤمنين والكافرين وكيف كان