محمد رأفت سعيد

179

تاريخ نزول القرآن الكريم

سورة « الفيل » ونزلت بعد سورة « الكافرون » . والتي أعلنت البراءة مما يعبد « الكافرون » وأنه لا مساومة على العقيدة ، نزلت سورة الفيل لتنبه وتذكر المؤمنين ، ولتفتح أيضا عيون الكافرين على واقعة تاريخية يعرفونها ولكن لا يحسنون الانتفاع بها ، نزلت السورة الكريمة يقول الله تعالى فيها : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ ( 1 ) أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ( 2 ) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ ( 3 ) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ( 4 ) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ( 5 ) . فبداية السورة بهذا الاستفهام الذي يدعو إلى النظر ، والرؤية التاريخية والاعتبار بما حدث قريبا في العام الذي اتخذوه عاما للتأريخ فكانوا يقولون : حدث هذا عام الفيل أو قبله أو بعده . ومن ذلك ما عرف من مولد النبي صلّى اللّه عليه وسلم في عام الفيل على أشهر الأقوال « 1 » . فأما تذكير المؤمنين وأوّلهم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فإنه جاء بعد إعلان البراءة من الكافرين وعبادتهم ومما يعبدون ورفض المساومة ، وهذا التذكير يتصل باليقين الذي ينبغي أن يملأ قلوب المؤمنين في ضعف الكافرين ، وضعف المعتدين على السواء ، وأن الله تعالى ناصر لجنده ومؤيد لحزبه ، ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ، فأما ضعف الكافرين فإنهم هزموا أمام جيش أبرهة ، ولم يستطيعوا مواجهته في طريقه إليهم ، وبعد وصوله إلى ديارهم ، وأما ضعف أصحاب الفيل ، فمع قوتهم وقدومهم بأسلحة لا قبل للعرب المشركين بها ، ومنها الفيلة فإنّ الله تعالى جعل كيدهم في تضليل ، فلم يصلوا إلى ما يريدون من هدم بيت الله الحرام ، وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول . وهذا تلقين لسنة من سنن الله تعالى فيما يكون من مواجهة بين أهل الحق وأهل الباطل تذكّرنا بها سورة الفيل ومن عناصر هذه السنة : أولا : أن الحق منتصر دائما قال تعالى : بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ [ الأنبياء : 18 ] . ثانيا : أنه إذا كان للحق من ينتسب إليه انتسابا صحيحا يعتد به فإنهم يختبرون في

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير 4 / 549 .