محمد رأفت سعيد

165

تاريخ نزول القرآن الكريم

مدنية ، فتكون هذه المشاهد إخبارا عما حدث فعلا ، ولكن الرواية التي ذكرها الواحدي في سبب النزول والتي يذكر فيها أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم بعث خيلا سرية إلى بنى كنانة وأمّر عليها المنذر بن عمرو الأنصاري ، فأسهبت ( أي أمعنت في سهب وهي الأرض الواسعة ) شهرا وتأخّر خبرهم فأرجف المنافقون وقالوا : قتلوا جميعا ، فأخبر الله عنهم بقوله وَالْعادِياتِ ضَبْحاً ( 1 ) إعلاما بأن خيلهم قد فعلت جميع ما في تلك الآيات . فإن في سنده حفص بن جميع وهو ضعيف « 1 » قال ابن كثير : وقد روى أبو بكر البزار هاهنا حديثا غريبا جدا فذكره ، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد « 2 » من رواية البزار وقال : فيه حفص بن جميع ، وهو ضعيف ، وأورده السيوطي في « الدر المنثور » « 3 » وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني في ( الأفراد ) وابن مردويه عن ابن عباس رضي اللّه عنهما . وعلى ذلك يبقى معتمدا قول ابن مسعود وجابر بن زيد وعطاء والحسن وعكرمة : إنها مكية نزلت بعد سورة العصر وقبل سورة الكوثر . وأما المقسم عليه بعد هذه التهيئة بذكر الخيل على ما سبق فيتمثل في حقائق يشاهدها المؤمنون في الناس ، وهذا نوع من بسط الحقائق النفسية التي تفسر للمؤمنين إعراض الإنسان عن ربه وجحوده وعدم الإقرار بما لزمه من شكر خالقه والخضوع له « 4 » إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ( 6 ) والكنود قيل فيه : إنه الكفور ، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك . وقيل : الكنود هو الذي يأكل وحده ويمنع رفده ، ويضرب عبده . وأما الإنسان فقد ذكر الضحاك أنها نزلت في الوليد بن المغيرة ، وقال مقاتل : نزلت في قرط بن عبد الله بن عمرو بن نوفل القرشي « 5 » . وهو مع هذا الجحود شهيد على نفسه بما يصنع وهذا قول الحسن وقتادة ومحمد بن كعب وروى هذا عن مجاهد أيضا ، وأما قول ابن عباس رضي اللّه عنهما وأكثر المفسرين أن الله عز وجل على ذلك من ابن آدم لشهيد « 6 » . وعلى الوجهين فإن هذا الكشف للنفس الإنسانية أمام المؤمنين يخفف عنهم ما

--> ( 1 ) انظر : زاد المسير لابن الجوزي 9 / 207 ، والتحرير والتنوير لمحمد الطاهر بن عاشور 30 / 497 ، وروح المعاني للآلوسى 30 / 274 . ( 2 ) . 6 / 142 ( 3 ) . 6 / 383 . ( 4 ) تفسير المراغي 30 / 223 . ( 5 ) زاد المسير 9 / 209 . ( 6 ) القرطبي 20 / 162 .