محمد رأفت سعيد

15

تاريخ نزول القرآن الكريم

وتقطع هاجر صمت إبراهيم وتريحه من مشقة الإجابة وتقول له : آلله أمرك بهذا ؟ قال إبراهيم : نعم ، قالت : إذن لن يضيعنا ، وهذه الكلمة من الأم هاجر قمة الحكمة ، وقمة التسليم فلا ضياع لإنسان وهو يطيع أمر ربه ، ولا ضياع لمن سلم أمره لخالقه . وهذا ما تحقق ، فما ضاعت هاجر ، وما ضاع إسماعيل ، بل كان في تسليمهما الخير والبركة وعمران المكان عند بيت الله المحرم ، فهل يتوقع من إسماعيل أن يكون على خلاف حال أمه ، وحال أبيه ؟ وعلى ذلك كان قول إسماعيل لإبراهيم : يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ( 102 ) [ الصافات ] . فقول إسماعيل كقول أمه في التسليم : يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ . أي أنه ما دام مأمورا فلا مجال للنظر ولا للرؤية . بل الفعل الفورى والتنفيذ لأمر الله ، ويزيد إسماعيل أبيه عونا على طاعة ربه في أحب الناس لديه : سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ( 102 ) . أي لن تسمع منى كلمة تثير فيك عطفك ، ولن ترى منى حركة تثير فيك رحمة الأبوة ، وتؤثر في تنفيذك لأمر ربك . فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ( 103 ) [ الصافات ] ، وأصبح إسماعيل في موضع الذبح ، ووضع إبراهيم السكين نودي أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ، وفدى الله إسماعيل بالذّبح العظيم ، فهذا البلاء العظيم ، وهذا الأمر الخطير تم عن طريق الرؤيا لإبراهيم عليه السّلام . وقد ذكر القرآن الكريم نموذجا منها مع رسول الله محمد صلّى اللّه عليه وسلم في قوله تعالى : لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ [ الفتح : 25 ] . ولقد تم الفتح المبين على ما رأى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم في رؤياه الحق على الرغم مما سبق الفتح من أحداث ، وشروط أوغرت صدور المسلمين وكانت شروطا في ظاهرها الظلم ولكنها كانت فتحا وتمهيدا له أيقن به رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، فقبل الشروط ، ومنها أن يعود المسلمون عام الحديبية دون دخول مكة وزيارة البيت الحرام ، وهذا سبّب غضبا شديدا لدى المسلمين ، ورغبة في مقاومة ظلم الكافرين بدخول مكة ولو حربا ، فلم يعطى المسلمون الدنية في دينهم ؟ ولكن اطمئنان رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم لوعد ربه جعله يرضى بما أملاه المشركون من شروط ، وأمر أصحابه أن يذبحوا هديهم ، ولكن الغضب ما زال مسيطرا ، وغضب الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، ولكن أم المؤمنين أم سلمة رضي اللّه عنها تذكر له حب أصحابه