محمد رأفت سعيد
118
تاريخ نزول القرآن الكريم
وصدقني - يعنى ورقة » قال البيهقي رحمه الله : هذا منقطع يعنى : هذا الحديث ، فإن كان محفوظا فيحتمل أن يكون خبرا عن نزولها بعد ما نزل عليه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ و يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ « 1 » . ولا يفهم من قول الإمام البيهقي رحمه الله أنها السورة الثالثة ، ولكن يعنى أن بداية التنزيل كان في الآيات الأولى من سورة اقرأ باسم ربك ، وأن سورة الفاتحة لم تكن الأولى في ترتيب النزول ، وإنما كانت بعد يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ، وهذا هو الترتيب الراجح وإلا فقد حكى الخلاف في تحديد زمن نزولها على ما يلي : الجمهور على أنها نزلت بمكة لقوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ( 87 ) [ الحجر ] ، والحجر مكية بإجماع ، ولا خلاف أن فرض الصلاة كان بمكة ، وما حفظ أنه كان في الإسلام صلاة بغير الفاتحة . وذكر هذا الرأي ابن عباس وقتادة وأبو العالية الرياض - واسمه رفيع - وغيرهم . وأما أبو هريرة رضي اللّه عنه ومجاهد وعطاء بن يسار والزهري وغيرهم فيرون أنها مدنية . وجمع بعض العلماء بين القولين بأنها تكرر نزولها فنزلت بمكة ونزلت بالمدينة حين حولت القبلة وحكى أبو الليث السمرقندي أن نصفها نزل بمكة ونصفها الآخر نزل بالمدينة ، ويعلق ابن كثير على هذا بقوله : وهو غير مجاهد نقله القرطبي عنه ، وعلى ذلك نصل إلى تقرير أن سورة الفاتحة في ترتيب نزولها بعد سورة المدثر ، وأنها نزلت كاملة غير منجمة ، وأن المسلمين قرءوا بها في الصلاة عند فرضها ، وأنها فاتحة الكتاب المنزل المتضمنة لمقاصد الكتاب العزيز إجمالا ، فالقرآن الكريم فيه البيان لحقوق الخالق على خلقه ، وحاجة الخلق إلى خالقهم ، وتنظيم الصلة بين الخالق والمخلوق ، فهذا من جملة المقاصد التي جاء بها القرآن الكريم ، وقد أشارت إليها الفاتحة - على ما سنفصل إن شاء الله تعالى - فآياتها الأولى بيان لحقوق الله على خلقه ، و إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) مع طلب الهداية منه تعالى إلى الصراط المستقيم بيان لحاجة الخلق إلى خالقهم ، والصراط المستقيم هو نظام هذه الصلة بين المخلوق والخالق سبحانه ، كما تضمنت الفاتحة كذلك الإشارة إلى الرد على كل طوائف المبطلين الخارجين عن الصراط المستقيم ، وبيان أسباب هذا الخروج ، وهي لا تتعدى الغضب عليهم أو الضلال منهم ، وبهذا استحقت الفاتحة أن يطلق عليها أم القرآن « 2 » .
--> ( 1 ) القرطبي 1 / 116 ، وروح المعاني 1 / 31 . ( 2 ) محاسن التأويل 1 / 3 ، 4 ، وروح المعاني 1 / 31 ، 32 ، والدر المنثور في التفسير بالمأثور 1 / 2 ، وابن كثير 1 / 18 ، 19 ، رسالتان في التفسير : حسن البنا ص 45 ، والتحرير والتنوير 1 / 134 .