محمد رأفت سعيد

119

تاريخ نزول القرآن الكريم

ونتابع الحديث في سورة الفاتحة ، وقد تناولنا في الجزء السابق تسمية الفاتحة بأم القرآن وخاتمة الكتاب ، وسميت السورة الكريمة بالسبع المثاني ، ففي صحيح البخاري عن أبي سعيد بن المعلى رضي اللّه عنه ، قال : كنت أصلى فدعا في رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فلم أجبه ، حتى صليت ، قال فأتيته . فقال : « ما منعك أن تأتيني ؟ » ، قال : قلت : يا رسول الله إني كنت أصلى قال : « ألم يقل الله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ » [ الأنفال : 24 ] ثم قال : « لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد » ، قال : فأخذ بيدي ، فلما أراد أن يخرج من المسجد ، قلت : يا رسول الله إنك قلت : لأعلمنك أعظم سورة في القرآن ، قال : « نعم « الحمد لله رب العالمين » ، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أتيته » « 1 » ، ووجه تسميتها بالسبع المثاني أنها سبع آيات باتفاق القراء والمفسرين ، ولم يشذ عن ذلك إلا الحسن البصري فقال : هي ثمان آيات ، وإلا الحسن الجعفي فقال : هي ست آيات ، ولا يعنى هذا أنهم يزيدون أو ينقصون شيئا من الفاتحة وإنما يرجع ذلك إلى عد البسملة من الفاتحة ، أو يرجع إلى إدماج آيتين في آية واحدة أو الفصل . فعلى السبع وهو ما عليه الاتفاق تجد حديث الصحيحين عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قال : « قال الله عز وجل : قسمت الصلاة نصفين بيني وبين عبدي فنصفها إلىّ ، ونصفها لعبدي ، ولعبدي ما سأل ، يقول العبد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 2 ) ، فأقول : حمدني عبدي . . . وإذا قال : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) ، قال الله : هذا بيني وبين عبدي ، وإذا قال : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 ) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ( 7 ) ، قال الله : هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل » . فهنّ ثلاث ثم واحدة ثم ثلاث ، فعند أهل المدينة لا تعد البسملة آية وتعد أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ آية ، وعند أهل مكة وأهل الكوفة تعد البسملة آية ، وتعد أنعمت عليهم جزء آية ، والحسن البصري عد البسملة آية ، وعد أنعمت عليهم آية « 2 » . وأما وصفها بالمثانى فلأنها تثنى في الصلاة أي تكرر فتكون التثنية بمعنى التكرير ، وهذا ما عرف من الأسلوب العربي من استعمال المثنى في مطلق المكرر نحو ثُمَّ ارْجِعِ

--> ( 1 ) رواه أحمد في مسنده وأبو داود والنسائي وماجة من طرق . تفسير التحرير والتنوير 1 / 134 . ( 2 ) التحرير والتنوير الشيخ محمد الطاهر بن عاشور 1 / 136 .