محمد رأفت سعيد
114
تاريخ نزول القرآن الكريم
فيه ، وأما فساد التصور الذي قام عليه هذا الإعراض فيتمثل في فهمهم الفاسد للنبوة ووظيفتها ومهمة الرسل في تبليغ ما أمروا به ، وأن الله مصطف من عباده من يشاء لهذه المهمة ، ولا يخاطب كل فرد من خلقه خطابا منفردا كما أراد أبو جهل ، وجماعة من قريش حين قالوا : يا محمد : ائتنا بكتب من رب العالمين مكتوب فيها : إني قد أرسلت إليكم محمدا صلّى اللّه عليه وسلم « 1 » ، وقال ابن عباس : كانوا يقولون : إن كان محمد صادقا فليصبح عند كل رجل منا صحيفة فيها براءته وأمنه من النار . قال مطر الوراق : أرادوا أن يعطوا بغير عمل . وقال المشركون لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يصبح عند رأسه مكتوبا ذنبه وكفارته فأتنا بمثل ذلك ، قال مجاهد : أرادوا أن ينزل على كل واحد منهم كتاب فيه من الله عز وجل : إلى فلانا بن فلان . إنه فساد في تصور النبوة من جانب وحقد على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم من جانب آخر لفساد نفوس المشركين ، وفساد مقاييسهم للبشر ، فهم لا يريدون هذا الأمر لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم ؛ لأن مقياس العظمة عندهم لم يكن فيما يرزق الإنسان من كمال الأخلاق ومكارمها ، بل من كثر ماله وكثر رجاله يعد عظيما فيهم ، وحصروا بهذا المقياس الأمر في رجلين ذكر القرآن الكريم قولهم فيهما : وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ( 31 ) [ الزخرف ] ورد عليهم أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [ الزخرف : 32 ] . وأما العجب في هذا الإعراض فإنه يكمن في مظهر هذا الإعراض ، إن الإعراض يكون طبيعيا عندما يكون من شئ يضر الإنسان ، أما الإعراض عما ينفع فهذا يدعو إلى العجب ، ويدل على أسباب فاسدة وراء هذا الإعراض ، وقد ذكرنا بعضها من فساد التصورات والحقد والحسد ، والذي يجعل هذا العجب شديدا أن ترى هذا الإعراض مصحوبا بحركات هستيرية ، كأن الداعي لهم يريد الفتك بهم ، فتراهم يفرون منه يمينا وشمالا وهم في ذعر وخوف عجيب ، وهذا دليل على أن الجوانب الإنسانية التي تقدر ما يفيدها قد امتهنت فيهم ، وصاروا كما وصفهم القرآن الكريم في هذا الإعراض كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ( 50 ) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ( 51 ) فوصفهم بالحمر يدل على أن الإنسان الذي جعله الله في محل التكريم قد يتدنى وينزل من دائرة التكريم إلى دائرة الحيوانية المهينة بإعراضه عن وحى ربه ، إن الوحي يحمله ويرقيه ويجعله إنسانا كريما ،
--> ( 1 ) القرطبي 19 / 90 .