محمد رأفت سعيد

115

تاريخ نزول القرآن الكريم

وإعراضه بشقه يجعله كالأنعام التي لا تدرى قيمة ما تدعى إليه ، ولا تفرق بين دعوة إلى مرعى ، أو دعوة متربح . إن صورة فرار الحمر من الرماة - على ما يذكر بعض أهل اللغة من تفسير القسورة بالرامي والصياد ، أو من الأسد على ما ذكر أبو هريرة وابن عباس رضي اللّه عنهما أو من طلبه أول الليل على ما يذكر ابن الأعرابي « 1 » . صورة ذعر وخوف لا تنسجم أبدا مع الداعي إلى الحق ، والداعي إلى الخير والذي يهدى للتي هي أقوم . ولكن ليس هذا بالمستغرب لمن تساوى بإعراضه مع الحمر وكان هذا شأن المعرضين في كل عصر كلما دعوا إلى الحق جعلوا أصابعهم في آذانهم ، واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا . وأما ما يتعلق بالوجه الثاني ، وهو مرتبط بالوجه السابق هو التخويف بالآخرة وما يكون فيها من صنوف العذاب التي لا يقوى عليها الإنسان الضعيف . فهؤلاء لو كانوا يقدرون هذا المصير ما سلكوا سبيل الإعراض ، بل الإعراض بهذه الصورة العجيبة . إن الفطنة بالقرآن الكريم وما يتضمنه من صور وجوه الإنذار فيه الكفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ( 54 ) . وتختم السورة التي فصلت وجوه الإنذار بتنبيه الإنسان بما منحه الله من القدرة على العقل والترك ، وبما منحه من المشيئة والاختيار تقريرا لهذه المسؤولية التي سبق ذكرها فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ( 55 ) ولكن هذه المشيئة التي منحت من الله للإنسان لا غنى لها عن المشيئة العليا لمن خلق وسير ، ومن بيده ملكوت كل شئ فعليه نتوكل وهو رب العرش العظيم ، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . فذكر المشيئة في السورة الكريمة في قوله تعالى : لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ( 37 ) وفي قوله جل شأنه : فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ( 55 ) تقرير لهذه المشيئة من الله للإنسان في اختيار العمل الذي سيحاسب عليه الإنسان ولا يتعارض ذلك مع الحقيقة الكبرى في مشيئة الله المهيمن القدير الذي أحاط كل شئ علما ، وأحصى كل شئ عددا ، والذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه ، ويمنحه بما يعلمه من شأنه وحاله ونيته . وعلى ذلك فالمؤمن يشغل بمشيئة الخير وفعله والإقدام عليه وترك المنكر والإحجام عنه ، ولا يقع فيما يقع فيه من قصر نظره ، وترك العمل ؛ لأن العبد مأمور ولا يعلم ما ذا يشاء الله به . ولكن عليه من حسن ظنه بربه أن يطمئن إلى فضله ورحمته وكرمه ومغفرته

--> ( 1 ) القرطبي 19 / 86 .