محمد رأفت سعيد

113

تاريخ نزول القرآن الكريم

قواعد الفساد في علاقة الإنسان بربه سبحانه ، وفي علاقته بصفات قومه ، وفي مساندته ووقوفه مع أهل الباطل ، وفي فساد معرفته وتصوراته ، وفي استمرار هذا الفساد طيلة حياتهم الدنيا . . . قال تعالى : إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ ( 39 ) فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ ( 40 ) عَنِ الْمُجْرِمِينَ ( 41 ) ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ( 42 ) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ( 43 ) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ( 44 ) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ ( 45 ) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ( 46 ) حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ ( 47 ) فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ ( 48 ) . إن أساس الإجرام والفساد عدم الإيمان الذي يجعل المجرم يقطع صلته بربه بترك الصلاة ، ويتبع هذا الفساد قسوة القلب على الضعفاء فلا يطعمون المسكين ولا يتصدقون ، ويغذى هذا الفساد مخالطة أهل الباطل في باطلهم ، والخوض في أمر رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم من مثل قولهم - لعنهم الله : « كاهن أو مجنون » ، أو « شاعر أو ساحر » ، ومما يزيد من حجم هذا الإجرام التكذيب بيوم الجزاء والحكم . ومما يدل على تعمق الإجرام وتحكمه في هؤلاء الاستمرار على هذا الحال إلى الموت . فهؤلاء بهذا الإجرام محرومون من الشفاعة التي جعلها الله للمذنبين من أهل التوحيد الذين يعذبون بذنوبهم ثم شفع فيهم ، فرحمهم الله بتوحيدهم والشفاعة فأخرجوا من النار وليس للكفار شفيع يشفع فيهم « 1 » . ونتابع القول في وجوه الإنذار التي جاءت في سورة المدثر ، والتي فصلت فيها من بدايتها إلى آخر السورة الكريمة حيث يقول الله تعالى : فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ( 49 ) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ( 50 ) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ( 51 ) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً ( 52 ) كَلَّا بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ ( 53 ) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ( 54 ) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ( 55 ) وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ( 56 ) . فالإنذار - هنا - له وجهان عظيمان ، الوجه الأول : التذكرة بالقرآن الكريم ، والوجه الثاني : الإنذار بالآخرة والتخويف بما يكون فيها . فأما الوجه الأول : فيكون في هذا التساؤل عن إعراض أهل مكة ، وتوليهم عما جاء به رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو إعراض عجيب بنى على تصور فاسد ، إنه إعراض عن التذكرة بالقرآن الكريم يتمثل في الجحود والإنكار ، ويتمثل تبعا لذلك في ترك العمل بما

--> ( 1 ) القرطبي 19 / 88 .