أحمد بن يحيى بن جابر ( البلاذري )

278

أنساب الأشراف ( ط بيروت الأعلمي )

أما بعد فإن اللّه اصطفى محمدا بعلمه ، وجعله الأمين على وحيه ، والرسول إلى خلقه ، ثم اجتبى له من المسلمين أعوانا أيّده بهم فكانوا في المنازل عنده على قدر فضائلهم في الإسلام ، وكان أنصحهم للّه ورسوله خليفته ثم خليفة خليفته ثم الخليفة الثالث المقتول ظلما عثمان ، فكلهم حسدت وعلى كلهم بغيت ، عرفنا ذلك في نظرك الشزر ، وقولك الهجر ، وتنفسك الصعداء ، وإبطائك عن الخلفاء ، في كل ذلك تقاد كما يقاد الجمل المخشوش [ 1 ] ، ولم تكن لأحد منهم أشد حسدا منك لابن عمتك ، وكان أحقهم أن لا تفعل به ذلك لقرابته وفضله ، فقطعت رحمه وقبّحت حسنه وأظهرت له العداوة وبطنت له بالغشّ وألبت الناس عليه حتى ضربت آباط الإبل إليه من كلّ وجه ، وقيدت ( اليه الخيل من كل أفق ، وشهر عليه السلاح في حرم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقتل معك في المحلة وأنت تسمع الهائعة [ 2 ] ، لا تدرأ عنه بقول ولا فعل ، ولعمري يا بن أبي طالب لو قمت في حقه مقاما ( واحدا ) تنهى الناس فيه عنه ، وتقبح لهم ما ابتهلوا منه [ 3 ] ما عدل بك من قبلنا من الناس أحدا ، ولمحى ذلك عندهم ما كانوا يعرفونك به من المجانية له والبغي عليه ( ظ ) . وأخرى أنت بها عند أولياء ابن عفان ظنينا [ 4 ] إيواؤك قتلته فهم عضدك ويدك وأنصارك ، وقد بلغني أنك تتنصّل من دم عثمان وتتبرأ منه ، فإن كنت صادقا فادفع إلينا قتلته ( كي ) نقتلهم به ، ثم نحن أسرع الناس إليك ، وإلا فليس بيننا وبينك إلا السيف ، وو الذي لا إله غيره لنطلبن قتلة عثمان في الجبال والرمال والبر والبحر حتى نقتلهم أو تلحق أرواحنا باللّه والسلام .

--> [ 1 ] المخشوش : الذي جعل في انفه الخشاش - بكسر الخاء - وهو عويد يجعل في عظم انف الجمل يشد به الزمام ليكون سريع الانقياد . [ 2 ] الهائعة : الصيحة والضجة . [ 3 ] كذا في النسخة ، ولعل الصواب « ما استحلوا منه » . [ 4 ] من الظنة وهي الاتهام وسوء الظن .