أبي حيان التوحيدي
8
الإمتاع والمؤانسة
أما نسبته « التّوحيدي » فيقول ابن خلكان : « لم أر أحدا ممن وضع كتب الأنساب تعرّض إلى هذه النسبة لا السّمعاني ولا غيره ، لكن يقال إن أباه كان يبيع التوحيد ببغداد وهو نوع من التمر » . ونقل السيوطي عن شيخه ابن حجر قوله : يحتمل أن تكون إلى التوحيد الذي هو الدين فإن المعتزلة يسمون أنفسهم أهل العدل والتوحيد . ويذهب الذّهبي إلى أنه هو الذي نسب نفسه إلى التوحيد ، مثلما سمى ابن تومرت أتباعه بالموحدين ، وكما يسمي صوفية الفلاسفة نفوسهم بأهل الوحدة وبالاتحادية . كان أبوه فيما يقال تاجرا متنقلا يبيع نوعا من التمر المعروف باسم « التوحيد » . ولا يوجد في كتب أبي حيان أية إشارة إلى أسرته ، ولا أية قرينة يستدل منها على لقبه . وهذا ما حدا بعض الباحثين إلى القول بأن الرجل كان يعلم أنه نشأ من أسرة دقيقة الحال ، عديمة النسب والحسب ، فلم يكن يجد داعيا للحديث عن نشأته ، أو الإشارة إلى أسرته . ويمضي أحد الباحثين إلى حدّ أبعد من ذلك فيقول : « لا تسألني متى ولد ، ولا أين ولد ، فذلك رجل نشأ في بيئة خاملة لم تكن تطمع في مجد ، حتى تقيد تاريخ ميلاده » . بيد أن بعضا من الباحثين استنتجوا تاريخ مولده من إشارتين : الأولى منهما وردت في « المقابسات » ، وفيها يعترف التوحيدي بأنه قد جاوز العقد الخامس من عمره ، وينصّ في الوقت نفسه على أنه ألّف هذا الكتاب سنة 360 هجرية ، والثانية منهما وردت في الرسالة التي كتبها إلى القاضي أبي سهل بن محمد سنة 400 ه ، وفيها يقول إنه قد بلغ « عشر التسعين » . وعلى ذلك يكون أبو حيان قد ولد - كما قال معظم مؤرخي سيرته - في العشرة الثانية بعد الثلاثمائة ، أي حوالي سنة 310 أو 311 هجرية ( على وجه التقريب ) . عاش التوحيدي طفولة معذبة « منعه الحياء من الخوض فيها ، فاكتفى بالصمت الذي هو أبلغ من كل كلام » . وكان هذا الحرمان سببا في التجائه إلى الدرس والتحصيل ، عله يجد فيه تعويضا عن بعض ما فاته من نعم الحياة . ويخيل أن أبا حيان كان يتحدث عن نفسه حينما راح يقول : [ وهكذا ] اشتد في طلب العلم تشميره ، واتصل في اقتباس الحكمة رواحه وبكوره ، وكانت الكلمة الحسناء أشرف عنده من الجارية العذراء ، والمعنى المقوم أحب إليه من المال المكوم . . . » . ويتأيد هذا الظن إذا عرفنا أن اهتمام أبي حيان بالعلم والدراسة قد صرفه عن التفكير في الزواج وإنجاب النسل ، فلم يعرف عنه أنه تزوج أو رزق أولادا بدليل قوله هو نفسه : إنه ظل طول عمره لا يجد حوله « ولدا نجيبا ، وصديقا حبيبا ، وصاحبا قريبا ، وتابعا أديبا ، ورئيسا منيبا » . ويظهر أن ميله إلى التنقل ، وولعه بالأسفار ، قد حالا بينه وبين الاستقرار ، فلم يكن في وسعه أن يفكر في تكوين أسرة ، أو أن يقنع من العيش بتربية بعض الأبناء ! صرف التوحيدي القسم الأكبر من حياته في بغداد ، وكان يتنقل بين بغداد ، والريّ ،