أبي حيان التوحيدي
9
الإمتاع والمؤانسة
ونيسابور ، وشيراز ، وغيرها . . . وأغلب الظن أن معظم هذه الأسفار كان إما طلبا للعلم ، أو بحثا عن الرزق ، مما حدا البعض إلى القول بأن أبا حيان كان دائما « قلق الركاب ، لا يكاد يستقر في مكان إلا ويزعجه أمر إلى ارتياد سواه » . شيوخه : الأساتذة الذين درس عليهم كل واحد منهم إما أن يكون متخصصا بفرع من فروع المعرفة أو بفروع عدة . فقد درس في حياته الفلسفة والمنطق على أكبر عالمين فيهما في القرن الرابع ، وهما يحيى بن عدي المتوفى سنة 364 ه ، وأبو سليمان المنطقي المتوفى سنة 391 ه . ويحيى بن عدي فيلسوف نصراني قيل إنه انتهت إليه رئاسة أهل المنطق في زمانه ، وقد ترجم كتب أرسطو إلى العربية ولخص مؤلفات أستاذه الفارابي وشرح فلسفته . ولعل أثره في التوحيدي يظهر بصورة خاصة في كتاب ( المقابسات ) ، وكان أبو سليمان المنطقي من أعظم علماء المنطق ، وقد اعتزل الرؤساء لعورة إصابته بالبرص ، فلزم منزله ، ووفد عليه العلماء والطلاب حتى غدا منزله مقيلا لأهل العلوم القديمة ، وكان يجمع إلى العلم بالمنطق إلماما بالأدب والشعر . وعلاقته بالتوحيدي كانت وثيقة كما تدل على ذلك عبارة الوزير ابن سعدان للتوحيدي « . . . فقد بلغني أنك جاره ومعاشره ولصيقه ومجاوره ، وقافي خطوه وأثره ، وحافظ غاية خبره » ، بل إن قفطي تصور أن التوحيدي كان يغشى منازل الرؤساء لينقل أخبارها إلى النطقي . ودرس التوحيدي الفقه الشافعي والتفسير على القاضي أبي حامد المروذي المتوفى سنة 362 ه ، وقد نقل عنه الكثير وروى عنه ، حتى إن ابن أبي الحديد يقول : « إن التوحيدي كان يسند إلى المروروذي ويقول : وإنما أولع بذكر ما يقوله هذا الرجل ، لأنه أنبل من شاهدته في عمري ، وكان بحرا يتدفق حفظا للسير ، وقياما بالأخبار ، واستنباطا للمعاني ، وثباتا على الجدل ، وصبرا على الخصام » . وفي مادة فقه الشافعي ، درس التوحيدي على أبي بكر محمد بن علي القفال بن إسماعيل الشاشي المتوفى سنة 365 ه ، الذي قيل فيه إنه كان فقيها محدثا أصوليا لغويا شاعرا . ودرس أيضا على القاضي أبي الفرج النهرواني المتوفى سنة 390 ه ، وكان فقيها أديبا شاعرا وصفه ابن خلكان بأن له « أنسة بسائر العلوم » ، وكان أهل زمانه يقولون عنه : « إذا حضر القاضي أبو الفرج ، فقد حضرت العلوم كلها » . ووصفه صاحب ( الفهرست ) بأنه كان « في نهاية الذكاء وحسن الحفظ وسرعة الخاطر في الجوابات » . ودرس التوحيدي على عليّ بن عيسى الزماني المتوفى سنة 384 ه ، وكان إماما في اللغة والأدب وذا معرفة بعلم الكلام كما تدل على ذلك عبارة ابن خلكان : « جمع علم الكلام والعربية » . وعده ياقوت في طبقة أبي علي الفارسي والسيرافي . وقال فيه ابن خلكان : « لم ير قط مثله علما بالنحو وغزارة في الكلام ، وبصرا بالمقالات