أبي حيان التوحيدي

17

الإمتاع والمؤانسة

بدليل أن أبا إسحاق إبراهيم بن يوسف الشيرازي قد روى أنه استمع إلى التوحيدي في شيراز سنة 410 ه ثم عاد إلى بغداد سنة 414 ه بعد وفاة أبي حيان . ولا بدّ من أن يكون أبو حيان قد أمضى هذه الفترة الطويلة من الشيخوخة في التعبد والتنسك والاستغفار ، بصحبة بعض إخوانه ومريديه من الصوفيين ، إلى أن قضى بشيراز ودفن فيها على ما جاء في كتاب « وفيات الأعيان » . وبذلك يكون التوحيدي قد عمّر طويلا ، إذ مات عن مائة وأربعة أعوام ! وقد روى فارس بن بكران الشيرازي - وكان من أصحاب التوحيدي - الساعات الأخيرة من حياة صاحبه فقال : « لما احتضر أبو حيان كان بين يديه جماعة فقالوا : اذكر اللّه ، فإن هذا مقام خوف ، وكل يسعى لهذه الساعة ، وجعلوا يذكرونه ويعظونه ، فرفع رأسه إليهم وقال : كأني أقدم على جندي أو شرطي ، إنّما أقدم على رب غفور ، وقضى ! » . إنتاجه : ليس غريبا على إنسان اتخذ من القلم حرفته ، أن يجيء إنتاجه الفكري خصبا وافرا ، خصوصا وأنه قد عاش أكثر من قرن بأكمله ! ولكن الظاهر أن حادثة إحراق التوحيدي لكتبه في أواخر أيام حياته قد حالت دون وصول الكثير من مصنفاته إلينا ، فضلا عن أن بعض هذه الكتب لم يكن من المرغوب فيه ، فلم يكن من المستحسن اقتناؤها أو الاحتفاط بها ! ومن المعروف عن أبي حيان أنه كان غزير الإنتاج ، حريصا على النقل والرواية ، محبا للبحث والجدل . ولئن كان موضوع هذه الكتب لم يقف عند الفلسفة والأدب ، بل قد امتد أيضا إلى الكلام والفقه والشريعة والتصوف والنحو واللغة ، إلا أن أبا حيان قد التزم في معظمها أسلوبا واحدا ، ألا وهو أسلوب المحاورة والمسامرة ، فجاءت كتبه « سهلة المأخذ ، بعيدة عن التكلف والتعسف ، بريئة من اللبس والغموض » . ونتيجة للإهمال الذي عاش فيه أبو حيّان طوال العشرين عاما الأخيرة من حياته مستترا متخفيا ، أحرق كتبه لقلة جدواها وضنا بها على من لا يعرف قدرها بعد موته . يقول السيوطي قائلا : لعل النّسخ الموجودة الآن من تصانيفه كتبت عنه في حياته وخرجت عنه قبل حرقها ، وربما كان لاشتغاله بالنّسخ وتأليفه كتبه وتقديمها إلى بعض رؤساء عصره أملا في مجازاته عليها سببا في بقاء العديد منها ونجاته من الحرق . وعندما أقدم أبو حيان على ذلك نحو عام 400 ه 1009 م كتب إليه القاضي أبو سهل علي بن محمد يعذله على صنيعه ويعرّفه قبح ما اعتمد من الفعل وشنيعه . فكتب إليه أبو حيّان معتذرا عن ذلك بكتاب مؤرخ في شهر رمضان سنة أربعمائة . ونظرا لأهمية هذا الكتاب الذي يوضح فيه أبو حيّان الأسباب الّتي دعته إلى