أبي حيان التوحيدي
18
الإمتاع والمؤانسة
ذلك وكيف سبقه إلى هذا الفعل علماء كبار ، وتراجعه فيه عن بعض ما اعتقده من أمور جعلت المتأخرين يتهمونه بالإلحاد والزّندقة ، حيث يقول : « أسأل اللّه رب الأولين أن يجعل اعترافي بما أعرفه موصولا بنزوعي عما اقترفته . إنه قريب مجيب » فيما يلي نصّ هذا الكتاب المهم : قال يقوت الحموي في كتابه : معجم الأدباء ( 294 - 299 ) . وكان أبو حيّان قد أحرق كتبه في آخر عمره لقلّة جدواها ، وضنّا بها على من لا يعرف قدرها بعد موته . وكتب إليه القاضي أبو سهل عليّ بن محمّد يعذله على صنيعه ، ويعرّفه قبح ما اعتمد من الفعل وشنيعه . فكتب إليه أبو حيّان يعتذر من ذلك : حرسك اللّه أيّها الشّيخ من سوء ظنّي بمودّتك وطول جفائك ، وأعاذني من مكافأتك على ذلك ، وأجارنا جميعا ممّا يسوّد وجه عهد إن رعيناه كنّا مستأنسين به ، وإن أهملناه كنّا مستوحشين من أجله ، وأدام اللّه نعمته عندك ، وجعلني على الحالات كلّها فداك . وافاني كتابك غير محتسب ولا متوقّع على ظمأ برّح بي إليه ، وشكرت اللّه تعالى على النّعمة به عليّ ، وسألته المزيد من أمثاله ، الّذي وصفت فيه بعد ذكر الشّوق إليّ ، والصّبابة نحوي ، ما نال قلبك والتهب في صدرك من الخبر الّذي نمى إليك فيما كان منّي من إحراق كتبي النّفيسة بالنّار وغسلها بالماء ، فعجبت من انزواء وجه العذر عنك في ذلك ، كأنّك لم تقرأ قوله جلّ وعزّ : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . وكأنّك لم تأبه لقوله تعالى : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ، وكأنّك لم تعلم أنّه لا ثبات لشيء من الدّنيا وإن كان شريف الجوهر كريم العنصر ، ما دام مقلّبا بيد اللّيل والنّهار ، معروضا على أحداث الدّهر وتعاود الأيّام . ثمّ إنّي أقول : إن كان - أيّدك اللّه - قد نقب خفّك ما سمعت ، فقد أدمى أظلي « 1 » ما فعلت ، فليهن عليك ذلك ، فما انبريت له ، ولا اجترأت عليه حتّى استخرت اللّه عزّ وجلّ فيه أيّاما وليالي ، وحتّى أوحى إليّ في المنام بما بعث راقد العزم ، وأجدّ فاتر النّيّة ، وأحيا ميّت الرّأي ، وحثّ على تنفيذ ما وقع في الرّوع وتريّع في الخاطر ، وأنا أجود عليك الآن بالحجّة في ذلك إن طالبت ، أو بالعذر إن استوضحت ، لتثق بي فيما كان منّي ، وتعرف صنع اللّه تعالى في ثنيه لي : إنّ العلم - حاطك اللّه - يراد للعمل ، كما أنّ العمل يراد للنّجاة ، فإذا كان العمل قاصرا عن العلم ، كان العلم كلّا على العالم ، وأنا أعوذ باللّه من علم عاد كلّا وأورث ذلّا ، وصار في رقبة صاحبه غلّا - وهذا ضرب من الاحتجاج المخلوط بالاعتذار - ثمّ اعلم علّمك اللّه الخير أنّ هذه الكتب حوت من أصناف العلم سرّه وعلانيته ، فأمّا ما كان
--> ( 1 ) أي باطن الأصابع .