أبي حيان التوحيدي
16
الإمتاع والمؤانسة
رجالات الوزير المقتول ، فآثر الاختفاء عن أعين رجال ابن يوسف ، وهرب إلى شيراز حيث راح يتردّد على المتصوفة ويعيش معهم . وأخباره خلال تلك الفترة التي ظلّ فيها متخفيا قليلة ، ولكن الظاهر أنه كان يعيش في فقر مدقع ، بدليل قوله : « لقد غدا شبابي هرما من الفقر ، والقبر عندي خير من الفقر » أو قوله : « لقد قال أمسيت غريب الحال ، غريب اللفظ ، غريب النحلة ، غريب الخلق ، مستأنسا بالوحشة ، قانعا بالوحدة ، معتادا للصمت ، ملازما ، للحيرة ، محتملا للأذى ، يائسا من جميع من ترى ، متوقعا لما لا بدّ من حلوله ، فشمس العمر على شفا ، وماء الحياة إلى نضوب ، ونجم العيش إلى أفول ، وظل التلبث إلى قلوص » . وزاد من حقد التوحيدي على الناس وتشاؤمه من الحياة ، ما لاحظه من انصراف الناس عنه ، وقسوة الحياة عليه ، فلم يلبث أن أحرق ما لديه من مصنفات ، ضنا بها على من لا يعرف قدرها بعد موته ، وأبو حيان يتعلل أيضا بمرضه وشيخوخته خصوصا بعد كل ما قاساه من شظف المعيشة وآلام الحياة ، فيقول : « لقد كلّ البصر ، وانعقد اللسان ، وجمد الخاطر ، وذهب البيان ، وملك الوسواس ، وغلب الياس ، من جميع الناس . . . ولو علمت في أي حال غلب عليّ ما فعلته ، وعند أي مرض ، وعلى أية عسرة وفاقة ، لعرفت من عذري أضعاف ما أبديته ، واحتججت لي بأكثر ما نشرته وطويته » . وواضح من هذه الكلمات أن أبا حيان يشير إلى حالته النفسية السيئة ، فإنه يرى فيها من العذر ما يكفي لتبرير فعلته ، فالرجل يشعر بأن هذه الكتب لم تعد تعبّر عن حالته النفسية الراهنة ثم هو يدرك أنها تعبّر عن إخفاقه في الظفر بما كان يأمل من مجد أدبيّ ، وهو لهذا وذاك لا يرى داعيا للتمسك بها أو الحرص عليها « 1 » . هذا إلى أن الشعور بقرب الرحيل قد ولّد في نفس التوحيدي ثورة كبرى على أعزّ ما كان يملك ، فلم يتردد في التمرد حتى على كتبه العزيزة التي طالما شاركته حلو الحياة ومرّها ! « وهل جامع الكتب إلا كجامع الفضة والذهب ؟ وهل المنهوم بها إلا كالحريص الجشع عليهما ؟ وهل المغرم بحبها إلا كمكاثرهما ؟ هيهات ! الرحيل واللّه قريب ، والثواء قليل ، والمضجع مقض ، والمقام ممض ، والطريق مخوف ، والمعين ضعيف ، والاغترار غالب ، واللّه من وراء هذا كله طالب . . . » « 2 » . ولا يعرف ما ذا كان من أمر التوحيدي بعد إحراقه لكتبه عام 400 ه . وليس بين أيدينا من المراجع ما يقطع بنوع الحياة أو أسلوب المعيشة الذي عاشه أبو حيان في سنواته الأخيرة . ولئن كان بعض الباحثين قد ظن أنه توفي في مطلع القرن الخامس الهجري ، إلا أن الظاهر أن الأجل قد امتد به إلى العام الرابع عشر من القرن الخامس ،
--> ( 1 ) عبد الرحمن بدوي ، مرجع سابق ، المقدمة . ( 2 ) معجم الأدباء لياقوت الحموي 5 / 24 . نقلا عن زكريا إبراهيم ، ص 62 .