أبي حيان التوحيدي

15

الإمتاع والمؤانسة

ذلك حواره الّذي يحكيه أبو حيان . . فهو يسأل أسئلة عميقة ، وينقد الإجابة عنها نقدا قيما » . ولم يكن لدى التوحيدي من اللباقة والكياسة ما يستطيع معه مجالسة الوزراء ومسامرة الكبراء ، بدليل ما وصفه به صديقه أبو الوفاء حين قال إنه : « غر لا هيئة له في لقاء الكبراء ، ومحاورة الوزراء » ، ومع ذلك فقد وصله أبو الوفاء بابن سعدان ، وهيأ له الفرصة للاختلاء بالوزير ، والإلقاء إليه بما شاء واختار ! وكان أول ما طلبه أبو حيان من الوزير أن يأذن له بتوجيه الخطاب إليه بالكاف والتاء ، ليتكلم من غير تكلّف أو كناية أو حرج أو تعريض ! ولم يلبث أبو حيان أن اطمأن إلى مجالس الوزير ، فكان يتكلم في حضرته بصراحة ، ولم يكن يتحرّج في رواية أقذع النوادر والملح ، بل كان يبدي رأيه في حاشية الوزير نفسه دون خوف أو خشية ! ويبدو أن أبا حيان قد وجد لدى ابن سعدان صدرا رحبا ، وأذنا صاغية ، ويدا ممدودة ، فإننا نراه يكتب إلى الوزير قائلا : « قد شاهدت ناسا في السفر والحضر ، صغارا وكبارا وأوساطا ، فما شاهدت من يدين بالمجد ، ويتحلى بالجود ويرتدي بالعفو ، ويتأزر بالحلم ويعطي بالجزاف ، ويفرح بالأضياف ، ويصل الإسعاف بالإسعاف ، والاتحاف بالاتحاف ، غيرك . واللّه إنك لتهب الدرهم والدينار وكأنك غضبان عليهما ، وتطعم الصادر والوارد كأن اللّه قد استخلفك على رزقهما ، ثم تتجاوز الذهب والفضة إلى الثياب العزيزة ، والخلع النفيسة والخيل العتاق ، والمراكب الثقال ، والغلمان والجواري ، حتى الكتب والدفاتر وما يضن به كل جواد ، وما هذا من سجايا البشر ، إلا أن يكون فاعل هذا نبيا صادقا ، ووليا للّه مجتبى . » وعلى الرغم من أن أبا حيان لم يكن يتردد في مفاتحة الوزير ابن سعدان برأيه في بعض جلسائه ، فلم يسلم من تعريضه أناس كابن شاهويه وبهرام بن سعيد وأبي عيسى عليّ بن زرعة النصراني وابن عبيد الكاتب وغيرهم من ندماء ابن سعدان ، إلا أن الصلة لم تنقطع تماما بينهما ، حتى في الفترة التي اشتدت فيها أعباء الوزارة على ابن سعدان . وإن كان يشكو أحيانا إلى صديقه أبي الوفاء المهندس تغافل الوزير عنه ، ويلح في تذكير أبي الوفاء بوعود الوزير ، ولكن ليس ما يبرّر القول بانقطاع الصلة بين أبي حيان وابن سعدان ، بدليل أن أبا حيان ظل يذكره بالخير حتى بعد وفاته . ولكن يشاء سوء الطالع أن يلاحق التوحيدي إلى النهاية ، فقد بقي ابن سعدان في الوزارة مدة قصيرة ، إذ ظهر له عام 375 ( هجرية ) خصم لدود هو أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف الذي ظل يكيد له وينصب الشباك للإيقاع به ، حتى قبض عليه هو وأصحابه وأودعوا السجن . واستوزر صمصام الدولة أبا القاسم عبد العزيز بن يوسف ، فوشى بابن سعدان لديه وأدخل في روعه أن ابن سعدان يؤلّب الثوار عليه ، فأمر صمصام الدولة بقتله ، والتنكيل بأعوانه ، وكان ذلك في نهاية عام 375 ه . ويبدو أن أبا حيان قد خشي أن يلاحقه أعوان الوزير الجديد ، لأنه كان من