أبي حيان التوحيدي
14
الإمتاع والمؤانسة
مغيظا ، وحرمني فازدريته ، وحقرني فأخزيته ، وخصّني بالخيبة التي نالت مني ، فخصصته بالغيبة التي أحرقته ، والبادي أظلم ، والمنتصف أعذر . . . » . ومهما يكن من شيء فقد انتهت العلاقة بين الرجلين بالقطيعة ، إذ فارق التوحيدي فناء الصاحب بن عباد سنة 370 ه ، بعد صلة دامت حوالي ثلاث سنوات ، رجع على أثرها إلى مدينة السلام صفر اليدين ! والتوحيدي يقرر أن الصاحب لم يعطه طوال هذه المدة درهما واحدا ، أو ما قيمته درهم واحد ، على الرغم من كل ما نسخه له ! وهو يقول أيضا إنه إذا كان قد هجا الصاحب فما ذلك إلا لما جرّعه إياه من مرارة الخيبة بعد الأمل ، وما حمله عليه من الإخفاق بعد الطمع ، « مع الخدمة الطويلة ، والوعد المتصل ، والظن الحسن ، حتى كأني خصصت بخساسته وحدي ، أو وجب أن أعامل بها دون غيري » . وأما ياقوت الرومي فإنه يقول إن أبا حيان كان قد قصد ابن عباد بالري ، فلما لم يرزق منه ، رجع عنه ذامّا له ، وكان أبو حيان مجبولا على الغرام بثلب الكرام ، فاجتهد في الغض من ابن عباد ، ولكن فضائل ابن عباد كانت تأبى إلا أن تسوقه إلى المدح وإيضاح مكارمه ، فانقلب ذمّه له مدحا « 1 » ! وهناك رواية أخرى يرويها الخوانساري مؤدّاها أن التوحيدي كان سيّئ العقيدة ، قليل الورع ، فلما وقف ابن عباس على حقيقة أمره ، طلبه ليقتله ، فهرب والتجأ إلى أعدائه ، ونفق عليهم بزخرفته وكذبه . ويميل البعض إلى استبعاد هذه الرواية الأخيرة لعدم وجود قرائن تشهد بفساد عقيدة أبي حيان ، اللهم إلا أن يكون اتهامه بالزندقة مجرد وسيلة اتخذ منها الصاحب ذريعة للثأر من خصمه ( أبي حيان ) والتشهير به وتجريح سمعته ! ولكن إذا كان أبو حيان لم يوفق في صلاته بأبي الفضل ابن العميد وابنه أبي الفتح بن العميد ، وإذا كان الحظ لم يحالفه أيضا في علاقته بالصاحب بن عباد ، فإن الظاهر أنه كان أكثر توفيقا مع الوزير ابن العارض أبي عبد اللّه الحسن بن سعدان ( المتوفى سنة 375 ه ) وزير صمصام الدولة البويهي . وقد كانت حلقة الاتصال بين أبي حيان وابن سعدان شخصية عالمة فاضلة التقى بها التوحيدي في فارس ، فسرعان ما توثقت بينهما أواصر المودة ، وتلك هي شخصية أبي الوفاء المهندس البوزجاني الذي أهدى إليه أبو حيان من بعد كتابه « الإمتاع والمؤانسة » تقديرا له واعترافا بفضله . وقد توطدت العلاقة بين أبي حيان والوزير وابن سعدان ، فنسخ له كتاب الحيوان للجاحظ ، وألّف له رسالة في « الصداقة والصديق » وسامره بكل تلك الأقاصيص والأحاديث التي رواها في « الإمتاع والمؤانسة » الكتاب الذي بين أيدينا . وقد كان لابن سعدان ناحية علمية أدبية صورها أبو حيان في كتبه « فهو واسع الاطلاع ، له مشاركة جيدة في كثير من فروع العلم من أدب وفلسفة وطبيعة وإلهيات وأخلاق ، يدل على
--> ( 1 ) معجم الأدباء ، 6 / 187 .