أبي حيان التوحيدي

13

الإمتاع والمؤانسة

بالعلم ، والكوكب الوقاد بالجود ، والبحر الفياض بالمواهب . . . الخ » « 1 » . ولا شك أن التوحيدي لم يكن موفقا كل التوفيق حينما تلا تلك الرسالة على مسامع الصاحب بن عبّاد ، حتى وإن كان هو الذي أمره بذلك وألحّ عليه فيه ، مما جعل المقربين إلى الصاحب يقولون لأبي حيان : « جنيت على نفسك ، حين ذكرت عدوّه عنده بخير ، وبينت عنه وجعلته سيد الناس . . . ! » . ويروي أبو حيان في موضع آخر أن الصاحب بعث يوما بخادمه إلى أبي حيان ، طالبا منه نسخ ثلاثين مجلدة من رسائله ، بدعوى أنها مطلوبة في الحال لمدينة خراسان ، فما كان من التوحيدي سوى أن أجابه - بعد ارتياع - : « هذا طويل ، ولكن لو أذن لي ، لخرّجت منه فقرا كالغرر . لو رقى بها مجنون لأفاق ، ولو نفث على ذي عاهة لبرأ ، لا تمل ، ولا تستغث ، ولا تعاب ، ولا تسترث . . . » . والظاهر أن هذا الكلام قد رفع إلى الصاحب على وجه مكروه ، دون أن يعلم أبو حيان من أمره شيئا ، فقال ابن عباس : « طعن في رسائلي وعابها ، ورغب عن نسخها ، وأزرى بها ، واللّه لينكرنّ مني ما عرف ، وليعرفن حظه إذا انصرف » ! ويبدو أن الصاحب قد وجد في مسلك أبي حيان تطاولا منه على رئيسه ووليّ نعمته ، فإن التوحيدي قد ادّعى لنفسه القدرة على تمييز الغث من السمين في رسائل الصاحب نفسه ، وكأنه كان أعلم منه بالرديء والجيد من الكلام ! ومع ذلك فإنّ أبا حيان يدهش لما قاله الصاحب : لأنه حين عاب رسائل ابن عباد ، فإنه لم يطعن في القرآن ، ولم يرم الكعبة بخرق الحيض ، ولم يسلح في زمزم ! . . . « . . . وما ذنبي يا قوم إذا لم أستطع أن أنسخ ثلاثين مجلدة ؟ ومن هذا الذي يستحسن هذا التكليف حتى أعذره في لومي على الامتناع ؟ أي إنسان ينسخ هذا القدر ، وهو يرجو بعده أن يمتعه اللّه ببصره أو ينفعه بيده ؟ ثم ما ذنبي إذا قال لي : من أين لك هذا الكلام المفوّف المشوّف الذي تكتب إليّ به في الوقت بعد الوقت ؟ فقلت : وكيف لا يكون كما يوصف ، وأنا أقطف من ثمار رسائله ، وأستقي من قليب علمه ، وأشيم بارقة أدبه ، وأرد ساحل بحره ، وأستوكف قطر مزنه ! فيقول : كذبت وفجرت لا أمّ لك ! ومن أين في كلامي الكدية ( أي التوسل ) والشحذ والضرع والاسترحام ! ؟ كلامي في السماء ، وكلامك في السّماد . . . ! » « 2 » . وقد حاول التوحيدي أن يبرّر موقفه من الصاحب فقال : « ولكني ابتليت به ، وكذلك هو ابتلي بي ، ورماني عن قوسه معرقا ، فأفرغت ما كان عندي على رأسه

--> ( 1 ) مثالب الوزيرين ، نفسه ، ص 332 . ( 2 ) نفسه ، ص 326 .