أبي حيان التوحيدي
12
الإمتاع والمؤانسة
يؤمن بسلطة عليا فوق الكون ، كما كان يؤمن بهذا أيضا أستاذه أبو سليمان المنطقي السجستاني . ونتيجة لسوء اعتقاده ، في زعم خصومه ، نفاه من بغداد الوزير المهلبي ، كما طلبه الصاحب كافي الكفاة ليقتله بعد أن اطلع على ما قيل إنه كان يخفيه من القدح في الدين ، فالتجأ إلى أعدائه وظل مستترا إلى أن مات في الاستتار . غادر أبو حيان بغداد - راضيا أم كارها - بقصد الرحيل إلى الريّ للاتصال بأبي الفضل بن العميد . وكان لابن العميد - في ذلك الوقت - قدر مهيب ، فقد كان الشعراء يقصدون بابه لكرمه وسخائه ، كما كان الناقدون يثنون عليه لفصاحته وبلاغته . ومن بين الذين مدحوا ابن العميد من الشعراء - كما هو معروف - أبو الطيّب المتنبّي ، كما أثنى عليه من بين الفلاسفة مسكويه الذي عهد إليه ابن العميد بمنصب « خازن كتبه » . وكان أبو حيان ينتظر من ابن العميد ، أن ينقذه من براثن الفقر ، وأن يسبغ عليه الكثير من العطايا ، ولكن الظاهر أنه لم يظفر منه بما كان يطمع فيه . ومهما يكن من شيء ، فقد غادر أبو حيان بغداد حوالي سنة 367 هجرية قاصدا مدينة الري مرة أخرى للاتصال بالوزير الصاحب بن عباد . وقد كانت خيبة أمله في ابن العميد الوالد وابن العميد الابن ( أي في أبي الفضل وأبي الفتح ) سببا في إقباله على باب الصاحب ، آملا أن يجد عنده ما لم يظفر به عند ابن العميد . وكان التوحيدي قد سمع عن كرم الصاحب ، فقصده « بأمل فسيح ، وصدر رحيب » ، ولكنه لم يستطع أن ينال حظوته ، لرفضه أن يكون كاتب الإنشاء . وقد روى التوحيدي قصة وقوفه بباب الصاحب فقال إنه لما وصل مدينة الري ، قال له الصاحب : « الزم دارنا ، وانسخ لنا هذا الكتاب ، فقلت : أنا سامع مطيع ، ثم قلت لبعض الناس في الدار مسترسلا : إنما توجهت من العراق إلى هذا الباب ، وزاحمت منتجعي هذا الربيع ، لأتخلص من حرفة الشؤم ، فإن الوراقة لم تكن ببغداد كاسدة ، فنمى إليه هذا أو بعضه أو على غير وجهه ، فزاده تنكرا . وكان الرجل خفيف الدماغ لا يعرف الحلم إلا بالاسم » « 1 » . . وواضح من هذه القصة أن أبا حيان لم يكن ينتظر من الصاحب بن عباد أن يعهد إليه بعمل من أعمال الوراقة التي كان قد سئمها وتمنى التخلص منها ! ويعترف التوحيدي نفسه بأن الصاحب طلب إليه يوما أن يقرأ عليه الرسالة التي كان قد توسل بها إلى أبي الفتح بن العميد - وكان الوزيران خصمين لدودين - فقرأها التوحيدي عليه ، مما أهاج حفيظة الصاحب ضده ، خصوصا وأن التوحيدي قد وصف فيها ابن العميد بأنه « سيد الناس » ، وأنه « الشمس المضيئة بالكرم ، والقمر المنير بالجمال ، والنجم الثاقب
--> ( 1 ) مثالب الوزيرين ، لأبي حيان التوحيدي ص 203 .