ابن قتيبة الدينوري
85
الإمامة والسياسة ( بيروت )
دخل رجال من أهل الكوفة على أبي موسى ، فقالوا : ما ترى ؟ أتخرج مع هذين الرجلين إلى صاحبهما ، أم لا ؟ فقال أبو موسى : أما سبيل الآخرة ففي أن تلزموا بيوتكم ، وأما سبيل الدنيا فالخروج مع من أتاكم ، فأطاعوه ، فتباطأ الناس على عليّ ، وبلغ عمارا ومحمدا ما أشار به أبو موسى على أولئك الرهط ، فأتياه فأغلظا له في القول ، قال أبو موسى : إن بيعة عثمان في عنقي وعنق صاحبكم ، ولئن أردنا القتال ما لنا إلى قتال أحد من سبيل ، حتى نفرغ من قتلة عثمان . خطبة أبي موسى الأشعري [ ( 1 ) ] ثم خرج أبو موسى فصعد المنبر ، ثم قال : أيها الناس : إن أصحاب رسول اللَّه الذين صحبوه في المواطن أعلم باللَّه ورسوله ممن لم يصحبه ، وإن لكم حقا عليّ أؤديه إليكم ، إن هذه الفتنة النائم فيها خير من اليقظان ، والقاعد خير من القائم ، والقائم خير من الساعي ، 93 والساعي خير من الراكب ، فأغمدوا سيوفكم حتى تنجلي هذه الفتنة . خطبة عمار بن ياسر فقام عمار بن ياسر ، فحمد اللَّه وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، إن أبا موسى ينهاكم عن الشخوص إلى هاتين الجماعتين ، ولعمري ما صدق فيما قال ، وما رضي اللَّه من عباده بما ذكر . قال عز وجل : وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما ، فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ ، فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا [ الحجرات 9 ] وقال : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [ الأنفال 39 ] فلم يرض من عباده بما ذكر أبو موسى من أن يجلسوا في بيوتهم ويخلوا بين الناس ، فيسفك بعضهم دماء بعض ، فسيروا معنا إلى هاتين الجماعتين واسمعوا من حججهم ، وانظروا من أولى بالنصرة فاتبعوه ، فإن أصلح اللَّه أمرهم رجعتم مأجورين وقد قضيتم حق اللَّه ، وإن بغى بعضهم على بعض نظرتم إلى الفئة الباغية ، فقاتلتموها حتى تفيء إلى أمر اللَّه ، كما أمركم اللَّه ، وافترض عليكم ثم قعد . فلما انصرفا إلى علي من عند أبي موسى وأخبراه بما قال أبو موسى ، بعث
--> [ ( 1 ) ] انظر الطبري 5 / 187 الكامل لابن الأثير 2 / 327 .