ابن قتيبة الدينوري

82

الإمامة والسياسة ( بيروت )

عاملك ، ولا واللَّه ما معهما مثل ما معك ، ولا يقدمان على مثل ما تقدم عليه ، فسر فإن اللَّه معك ، وتتابعت الأنصار فقالوا وأحسنوا . قال : ولما نزل طلحة والزبير وعائشة بأوطاس [ ( 1 ) ] ، من أرض خيبر ، أقبل عليهم سعيد بن العاصي على نجيب له ، فأشرف على الناس ، ومعه المغيرة بن شعبة ، فنزل وتوكأ على قوس له سوداء ، فأتى عائشة ، فقال لها : أين تريدين يا أم المؤمنين ؟ قالت : أريد البصرة ، قال : وما تصنعين بالبصرة ؟ قالت : أطلب بدم عثمان . قال : فهؤلاء قتلة عثمان معك . ثم أقبل على مروان فقال له : وأنت أين تريد أيضا ؟ قال : البصرة . قال : وما تصنع بها ؟ قال : أطلب قتلة عثمان ، قال : فهؤلاء قتلة عثمان معك ، إن هذين الرجلين قتلا عثمان « طلحة والزبير » ، وهما يريدان الأمر لأنفسهما ، فلما غلبا عليه قالا : نغسل الدم بالدم ، والحوبة [ ( 2 ) ] بالتوبة . ثم قال المغيرة بن شعبة : أيها الناس ، إن كنتم إنما خرجتم مع أمكم ، فارجعوا بها خيرا لكم ، وإن كنتم غضبتم لعثمان ، فرؤساؤكم قتلوا عثمان ، وإن كنتم نقمتم على عليّ شيئا ، فبينوا ما نقمتم عليه ، أنشدكم اللَّه فتنتين في عام واحد ، فأبوا إلا أن يمضوا بالناس ، فلحق سعيد بن العاصي باليمن ، ولحق المغيرة بالطائف ، فلم يشهدا شيئا من حروب الجمل ولا صفين ، فلما انتهوا إلى ماء الحوأب في بعض الطريق ومعهم عائشة ، نبحها كلاب الحوأب ، فقالت لمحمد بن طلحة : أي ماء هذا ؟ قال : هذا ماء الحوأب ، فقالت : ما أراني إلا راجعة ، 90 قال : ولم ؟ قالت : سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يقول لنسائه : كأني بإحداكن قد نبحها كلاب الحوأب ، وإياك أن تكوني أنت يا حميراء [ ( 3 ) ] . فقال لها محمد بن طلحة : تقدمي رحمك اللَّه ، ودعي هذا القول . وأتى عبد اللَّه بن الزبير ، فحلف لها باللَّه لقد خلفته أول الليل ، وأتاها ببينة زور من الأعراب [ ( 4 ) ] ، فشهدوا بذلك ، فزعموا أنها أول شهادة زور شهد بها في الإسلام ، فلما انتهى إقبالهم على أهل البصرة ، ودنوا منها ، قام عثمان بن حنيف

--> [ ( 1 ) ] في الكامل في التاريخ 2 / 315 بذات عرق . [ ( 2 ) ] الحوبة : الإثم والذنب . [ ( 3 ) ] أخرجه الإمام أحمد في مسندة 6 / 52 ، 97 ونقله ابن كثير في البداية والنهاية 7 / 211 وقال : هذا إسناد على شرط الصحيحين ولم يخرجاه . [ ( 4 ) ] خمسين رجلا ممن كان معهم ( عن مروج الذهب 2 / 395 ) .