ابن قتيبة الدينوري

83

الإمامة والسياسة ( بيروت )

عامل البصرة لعلي بن أبي طالب فقال : يا أيها الناس ، إنما بايعتم اللَّه يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ، فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ، وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً [ الفتح 10 ] واللَّه لو علم علي أن أحدا أحق بهذا الأمر منه ما قبله ، ولو بايع الناس غيره لبايع من بايعوا ، وأطاع من ولوا ، وما به إلى أحد من صحابة رسول اللَّه حاجة ، وما بأحد عنه غنى ، ولقد شاركهم في محاسنهم ، وما شاركوه في محاسنه ، ولقد بايعه هذان الرجلان وما يريدان اللَّه ، فاستعجلا الفطام قبل الرضاع ، والرضاع قبل الولادة ، والولادة قبل الحمل ، وطلبا ثواب اللَّه من العباد ، وقد زعما أنهما بايعا مستكرهين . فإن كانا استكرها قبل بيعتهما كانا رجلين من عرض قريش لهما أن يقولا ولا يأمرا ، ألا وإن الهدي ما كانت عليه العامة ، والعامة على بيعة علي ، فما ترون أيها الناس ؟ فقام حكم بن جبل العبديّ ، فقال : نرى إن دخلا علينا قاتلناهما ، وإن وقفا تلقيناهما واللَّه ما أبالي أن أقاتلهما وحدي ، وإن كنت أحب الحياة ، وما أخشى في طريق الحق وحشة ، ولا غيرة ولا غشا ولا سوء منقلب إلى بعث ، وإنها لدعوة قتيلها شهيد ، وحيها فائز ، والتعجيل إلى اللَّه قبل الأجر خير من التأخير في الدنيا ، وهذه ربيعة معك . 91 نزول طلحة والزبير وعائشة البصرة قال : وذكروا أن طلحة والزبير لما نزلا البصرة [ ( 1 ) ] ، قال عثمان بن حنيف : نعذر إليهما برجلين ، فدعا عمران بن الحصين صاحب رسول اللَّه ، وأبا الأسود الدؤلي ، فقال : يا أبا محمد ، فذهبا إليهما فناديا : يا طلحة فأجابهما ، فتكلم أبو الأسود الدؤلي ، فقال : يا أبا محمد ، إنكم قتلتم عثمان غير مؤامرين لنا في قتله وبايعتم عليا غير مؤامرين في بيعته ، فلم نغضب لعثمان إذ قتل ، ولم نغضب لعلي إذ بويع ، ثم بدا لكم ، فأردتم خلع علي ، ونحن على الأمر الأول ، فعليكم المخرج مما دخلتم فيه . ثم تكلم عمران ، فقال : يا طلحة ، إنكم قتلتم عثمان ولم نغضب له إذا لم تغضبوا ، ثم بايعتم عليا وبايعنا من بايعتم ، فإن كان قتل عثمان صوابا فمسيركم لما ذا ؟ وإن كان خطأ فحظكم منه الأوفر ، ونصيبكم منه الأوفى . فقال طلحة : يا هذان إن صاحبكما لا يرى أن معه في هذا الأمر غيره ، وليس على هذا بايعناه ، وأيم اللَّه ليسفكنّ دمه . فقال أبو الأسود : يا عمران ، أما

--> [ ( 1 ) ] في الطبري 5 / 174 بالحفير ، وهو أول منزل من البصرة لمن يريد مكة وقيل الحفير : موضع بين مكة والبصرة .