ابن قتيبة الدينوري

81

الإمامة والسياسة ( بيروت )

ولن يردها إلا أولئك الذين حكموا فيها ، فاكفياني أنفسكما ، فانصرفا . فقال مروان : استعينا عليه بحفصة ، فأتيا حفصة ، فقالت : لو أطاعني أطاع عائشة ، دعاه ، فاتركاه وتوجها إلى البصرة . وأتاهما عبد اللَّه بن خلف ، فقال لهما : إنه ليس أحد من أهل الحجاز كان منه في عثمان شيء إلا وقد بلغ أهل العراق ، وقد كان منكما في عثمان من التحليب والتأليب ما لا يدفعه جحود ، ولا ينفعكما فيه عذر ، وأحسن الناس فيكما قولا من أزال عنكما القتل وألزمكما الخذل ، وقد بايع الناس عليا بيعة عامة ، والناس لاقوكما غدا ، فما تقولان ؟ فقال طلحة : ننكر القتل ، ونقر بالخذل ، ولا ينفع الإقرار بالذنب إلا مع الندم عليه ، ولقد ندمنا على ما كان منا . وقال الزبير : بايعنا عليا والسيف على أعناقنا [ ( 1 ) ] ، حيث تواثب الناس بالبيعة إليه دون مشورتنا ، ولم نصب لعثمان خطأ فتجب علينا الدية ، ولا عمدا فيجب علينا القصاص . فقال عبد اللَّه بن خلف : عذركما أشد من ذنبكما ، قال : فتهيأ القوم للمسير ، فقال طلحة والزبير : أسرعوا السير ، لعلنا نسبق عليا من خلاف طريقه إلى البصرة . قال : وكتب قثم بن عباس إلى علي يخبره أن طلحة والزبير وعائشة قد خرجوا من مكة ، يريدون البصرة ، وقد استنفروا الناس ، فلم يخف معهم إلا من لا يعتد بمسيره ، ومن خلفت بعدك فعلى ما تحب . فلما قدم على عليّ كتابه غمه ذلك ، وأعظمه الناس ، وسقط في أيديهم ، فقام قيس بن سعد بن عبادة ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنه واللَّه ما غمنا بهذين الرجلين كغمنا بعائشة ، لأن هذين الرجلين حلالا الدم عندنا ، لبيعتهما ونكثهما ، ولأن عائشة من علمت مقامها في الإسلام ، ومكانها من رسول اللَّه ، مع فضلها ودينها 89 وأمومتها منا ومنك ، ولكنهما يقدمان البصرة ، وليس كل أهلها لهما ، وتقدم الكوفة ، وكل أهلها لك ، وتسير بحقك إلى باطلهم ، ولقد كنا نخاف أن يسيرا إلى الشام ، فيقال : صاحبا رسول اللَّه وأم المؤمنين ، فيشتد البلاء ، وتعظم الفتنة ، فأما إذا أتيا البصرة وقد سبقت إلى طاعتك ، وسبقوا إلى بيعتك ، وحكم عليهم

--> [ ( 1 ) ] تقدم أن عليا رفض البيعة خفية ولا تكون إلا عن رضى المسلمين ، وأنه بعد اجتماع المهاجرين والأنصار - وفيهم طلحة والزبير - رفض في البداية وقال : لا حاجة لي في أمركم ، أنا معكم فمن اخترتم فقد رضيت به . ثم أن طلحة والزبير بايعاه على ملأ من الناس بعد أن قال لهما علي : إن أحببتما أن تبايعا لي وإن أحببتما بايعتكما ، فقالا : بل نبايعك ( الطبري 5 / 152 - 153 من عدة طرق ) .