ابن قتيبة الدينوري

71

الإمامة والسياسة ( بيروت )

ما بايعتم عليه أبا بكر وعمر وعثمان ، فقالا : لا ، ولكنا بايعناك على أنا شريكاك في الأمر ، قال علي : لا ، ولكنكما شريكان في القول والاستقامة والعون على العجز والأولاد ، قال : وكان الزبير لا يشك في ولاية العراق ، وطلحة في اليمن ، فلما استبان لهما أن عليا غير موليهما شيئا ، أظهرا الشكاة ، فتكلم الزبير في ملأ من قريش ، فقال : هذا جزاؤنا من علي ، قمنا له في أمر عثمان ، حتى أثبتنا عليه الذنب ، وسببنا له القتل ، وهو جالس في بيته وكفي الأمر . فلما نال بنا ما أراد ، جعل دوننا غيرنا ، فقال طلحة : ما اللوم إلا أنا كنا ثلاثة من أهل الشورى ، كرهه أحدنا وبايعناه ، وأعطيناه ما في أيدينا ، ومنعنا ما في يده ، فأصبحنا قد أخطأنا ما رجونا . قال : فانتهى قولهما إلى علي فدعا عبد اللَّه بن عباس وكان استوزره ، فقال له : بلغك قول هذين الرجلين ؟ 78 قال : نعم ، بلغني قولهما . قال : فما ترى ؟ قال : أرى أنهما أحبا الولاية . فول البصرة الزبير ، وول طلحة الكوفة ، فإنّهما ليسا بأقرب إليك من الوليد وابن عامر من عثمان ، فضحك علي ، ثم قال : ويحك ، إن العراقين بهما الرجال والأموال ، ومتى تملكا رقاب الناس يستميلا السفيه بالطمع ، ويضربا الضعيف بالبلاء ، ويقويا على القويّ بالسلطان ، ولو كنت مستعملا أحدا لضره ونفعه لاستعملت معاوية على الشام ، ولولا ما ظهر لي من حرصهما على الولاية ، لكان لي فيهما رأي . قال : ثم أتى طلحة والزبير إلى علي ، فقالا : يا أمير المؤمنين ، ائذن لنا في العمرة ، فإن تقم إلى انقضائها رجعنا إليك ، وإن تسر نتبعك . فنظر إليهما علي ، وقال : نعم ، واللَّه ما العمرة تريدان ، وإنما تريدان أن تمضيا إلى شأنكما ، فمضيا [ ( 1 ) ] [ ( 2 ) ] . خلاف عائشة رضي اللَّه عنها على عليّ قال : وذكروا أن عائشة لما أتاها أنه بويع لعلي . وكانت خارجة عن المدينة ، فقيل لها : قتل عثمان . وبايع الناس عليا . فقالت : ما كنت أبالي أن تقع السماء على الأرض ، قتل واللَّه مظلوما ، وأنا طالبة بدمه ، فقال لها عبيد [ ( 3 ) ] :

--> [ ( 1 ) ] في رواية للطبري أنهما غادرا إلى مكة بعد مقتل عثمان بأربعة أشهر . [ ( 2 ) ] وفي مروج الذهب : أن علي قال لهما : لعلكما تريدان البصرة أو الشام فأقسما أنهما لا يقصدان غير مكة . [ ( 3 ) ] وهو عبيد بن أبي سلمة الليثي ويقال له : عبيد ابن أم كلاب وكان لاقاها قرب المدينة .