ابن قتيبة الدينوري
54
الإمامة والسياسة ( بيروت )
اللَّه قد بدل ، وسنة رسوله قد غيرت ، وأحكام الخليفتين قد بدلت ، فننشد اللَّه من قرأ كتابنا من بقية أصحاب رسول اللَّه والتابعين بإحسان ، إلا أقبل إلينا ، وأخذ الحق لنا ، وأعطاناه ، فأقبلوا إلينا إن كنتم تؤمنون باللَّه واليوم الآخر ، وأقيموا الحق على المنهاج الواضح الّذي فارقتم عليه نبيكم ، وفارقكم عليه الخلفاء ، غلبنا على حقنا واستولى على فيئنا ، وحيل بيننا وبين أمرنا ، وكانت الخلافة بعد نبينا خلافة نبوة ورحمة ، وهي اليوم ملك عضوض [ ( 1 ) ] . من غلب على شيء أكله . أليس هذا كتابكم إلينا ؟ فبكى طلحة ، فقال الأشتر : لما حضرنا أقبلتم تعصرون أعينكم ، واللَّه لا نفارقه حتى نقتله ، وانصرف . قال : ثم كتب عثمان كتابا بعثه مع نافع بن طريف إلى أهل مكة ومن حضر الموسم يستغيثهم فوافى به نافع يوم عرفة بمكة ، وابن عباس يخطب ، وهو يومئذ على الناس كان قد استعمله عثمان على الموسم ، فقام نافع ففتح الكتاب ، فقرأه ، فإذا فيه : بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم من عبد اللَّه عثمان أمير المؤمنين ، إلى من حضر الحج من المسلمين ، أما بعد : فإنّي كتبت إليكم كتابي هذا وأنا محصور ، أشرب من بئر القصر ، ولا آكل من الطعام ما يكفيني ، خيفة أن تنفد ذخيرتي . فأموت جوعا أنا ومن معي ، 59 لا أدعى إلى توبة أقبلها ، ولا تسمع مني حجة أقولها ، فأنشد اللَّه رجلا من المسلمين بلغه كتاب إلا قدم عليّ ، فأخذ الحق فيّ ، ومنعني من الظلم والباطل . قال : ثم قام ابن عباس ، فأتم خطبته ، ولم يعرض لشيء من شأنه . وكتب إلى أهل الشام عامة ، وإلى معاوية وأهل دمشق خاصة [ ( 2 ) ] : أما بعد فإنّي في قوم طال فيهم مقامي ، واستعجلوا القدر في ، وقد خيروني بين أن يحملوني على شارف من الإبل إلى دخل [ ( 3 ) ] . وبين أن أنزع لهم رداء اللَّه الّذي كساني . وبين أن أقيدهم [ ( 4 ) ] ممن قتلت . ومن كان على سلطان يخطئ ويصيب ،
--> [ ( 1 ) ] ملك عضوض أي يصيب الرعية فيه عسف وظلم كأنهم يعضون فيه عضا . والعضوض من أبنية المبالغة . وفي رواية : ملوك عضوض جمع عض بالكسر ، وهو الخبيث الشرس ( النهاية في غريب الحديث 3 / 253 ) . [ ( 2 ) ] قال ابن الأعثم في فتوحه 2 / 217 أنه كتب إلى معاوية وعامر بن كريز أمير البصرة كتابا واحدا . نسخته فيه باختلاف عما هنا . [ ( 3 ) ] دخل : جزيرة بين اليمن وبلاد بجة . [ ( 4 ) ] أي يسلمهم نفسه ليأخذوا القود منه قصاصا بمن قتل من المسلمين .