ابن قتيبة الدينوري

33

الإمامة والسياسة ( بيروت )

الناس قد رأوا مكانك ومكان أصحابك ، فعدلوا الأمر عنكم وعلى رسلكم بني عبد المطلب ، فإن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم منا ومنكم ، ثم قال عمر : إي واللَّه ، وأخرى أنا لم نأتكم حاجة منا إليكم ، ولكنا كرهنا أن يكون الطعن منكم فيما اجتمع عليه العامة ، فيتفاقم الخطب بكم وبهم ، فانظروا لأنفسكم ولعامتكم . فتكلم العباس ، فحمد اللَّه ، وأثنى عليه ، ثم قال : إن اللَّه بعث محمدا كما زعمت نبيا ، 33 وللمؤمنين وليا ، فمنّ اللَّه بمقامه بين أظهرنا حتى اختار له ما عنده ، فخلى على الناس أمرهم ليختاروا لأنفسهم ، مصيبين للحق ، لا مائلين عنه بزيغ الهوى ، فإن كنت برسول اللَّه طلبت فحقنا أخذت ، وإن كنت بالمؤمنين طلبت فنحن منهم متقدمون فيهم ، وإن كان هذا الأمر إثما يجب لك بالمؤمنين فما وجب إذ كنا كارهين ، فأما ما بذلت لنا فإن يكن حقا لك فلا حاجة لنا فيه وإن يكن حقا للمؤمنين فليس لك أن تحكم عليهم ، وإن كان حقنا لم نرض عنك فيه ببعض دون بعض . وأما قولك إن رسول اللَّه منا ومنكم ، فإنه قد كان من شجرة نحن أغصانها ، وأنتم جيرانها . قال : ثم خرج أبو بكر إلى المسجد الشريف ، فأقبل على الناس ، فعذر عليا بمثل ما اعتذر عنه ، ثم قال علي فعظّم حق أبي بكر ، وذكر فضيلته وسابقته ، ثم مضى فبايعه ، فأقبل الناس على عليّ ، فقالوا : أصبت يا أبا الحسن وأحسنت . قال : فلما تمت البيعة لأبي بكر أقام ثلاثة أيام يقيل الناس ويستقيلهم ، يقول قد أقلتكم في بيعتي ، هل من كاره ؟ هل من مبغض ؟ فيقوم علي في أول الناس فيقول : واللَّه لا نقيلك ولا نستقيلك أبدا ، قد قدّمك رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم لتوحيد ديننا ، من ذا الّذي يؤخرك لتوجيه دنيانا ؟ . خطبة أبي بكر الصديق رضي اللَّه عنه قال : ثم إن أبا بكر قام خطيبا ، فحمد اللَّه وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، إن اللَّه الجليل الكريم العليم الحكيم الرحيم الحليم ، بعث محمدا بالحق ، وأنتم معشر العرب كما قد علمتم ، من الضلالة والفرقة ، ألف بين قلوبكم ونصركم به وأيدكم ، ومكن لكم دينكم ، وأورثكم سيرته 34 الراشدة