ابن قتيبة الدينوري
34
الإمامة والسياسة ( بيروت )
المهدية ، فعليكم بحسن الهدى ولزوم الطاعة ، وقد استخلف اللَّه عليكم خليفة ليجمع به ألفتكم ، ويقيم به كلمتكم ، فأعينوني على ذلك بخير ، ولم أكن لأبسط يدا ولا لسانا على من لم يستحل ذلك إن شاء اللَّه ، وأيم اللَّه ما حرصت عليها ليلا ولا نهارا ، ولا سألتها اللَّه قط في سر ولا علانية ، ولقد قلدت أمرا عظيما ، ما لي به طاقة ولا يد ، ولوددت أني وجدت أقوى الناس عليه مكاني ، فأطيعوني ما أطعت اللَّه ، فإذا عصيت فلا طاعة لي عليكم ، ثم بكى وقال : اعلموا أيها الناس أني لم أجعل لهذا المكان أن أكون خيركم ، ولوددت أن بعضكم كفانيه ، ولئن أخذتموني بما كان اللَّه يقيم به رسوله من الوحي ما كان ذلك عندي ، وما أنا إلا كأحدكم ، فإذا رأيتموني قد استقمت فاتبعوني ، وإن زغت [ ( 1 ) ] فقوموني ، واعلموا أن لي شيطانا يعتريني أحيانا ، فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني ، لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم ، ثم نزل . ثم دعا عمر والأوجاه [ ( 2 ) ] من أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ، فقال : ما ترون لي من هذا المال ؟ [ ( 3 ) ] فقال عمر : أنا واللَّه أخبرك مالك منه . أما ما كان لك من ولد قد بان عنك وملك أمره ، فسهمه كرجل من المسلمين ، وأما ما كان من عيالك وضعفة أهلك ، فتقوت منه بالمعروف وقوت أهلك . فقال : يا عمر إني لأخشى ألا يحل لي أن أطعم عيالي من فيء المسلمين . فقال عمر : يا خليفة رسول اللَّه ، إنك قد شغلت بهذا الأمر عن أن تكسب لعيالك . قال : ولما تمت البيعة لأبي بكر ، واستقام له الأمر ، اشرأب النفاق بالمدينة ، وارتدت العرب ، فنصب لهم أبو بكر الحرب ، وأراد قتالهم ، فقالوا : نصلي ولا نؤدي الزكاة . 35 فقال الناس : اقبل منهم يا خليفة رسول اللَّه ، فإن العهد حديث ، والعرب كثير ، ونحن شرذمة قليلون ، لا طاقة لنا بالعرب ، مع أنا قد سمعنا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يقول : « أمرت أن أقاتل الناس حتى
--> [ ( 1 ) ] زغت من زاغ أي عدل عن الحق ومال عنه . وقوموني أي سددوني يعني أرجعوني إلى الصواب وقول الحق . [ ( 2 ) ] في نسخة « الاوجاه » تحريف . [ ( 3 ) ] وكان أبو بكر رضي اللَّه عنه قد أصبح - بعد ما استخلف - غاديا إلى السوق وقد كان يشتغل بالتجارة وقد لقيه عمر وأبو عبيدة وآخرون فسألوه أين يريد ؟ فقال : السوق ، فقيل له : ما ذا وقد وليت أمر المسلمين ، فأجاب : فمن أين أطعم عيالي . حينئذ عملوا على أن يفرض له ما يغنيه عن عمله في التجارة ، وقد جعلوا له ألفين وقيل ألفين وخمسمائة .