ابن قتيبة الدينوري

20

الإمامة والسياسة ( بيروت )

لهم حقهم ، وأقبلوا من محسنهم ، وتجاوزوا عن مسيئهم » . ثم انصرف رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم إلى منزله وهو معصوب الرأس شديد الوجع ، فلما كانت الصلاة أتى بلال المؤذن رضي اللَّه عنه يدعو إلى الصلاة ، ففتح صلّى اللَّه عليه وسلّم عينيه ، وقال للنساء : ادعون لي حبيبي ، فعرفت عائشة رضي اللَّه عنها أنه يريد أبا بكر ، فقالت : أرسل إلى عمر ، فإن أبا بكر رجل رقيق ، وإن قام مقام رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم افتضح من البكاء ، وعمر أقوى منه ، فأرسلت إلى عمر رضي اللَّه عنه ، فأتى فسلم ، ففتح رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم عينيه ، فرد السلام ، ثم أطرق عنه ، فعرف عمر أنه لم يرده ، فلما خرج أقبل صلّى اللَّه عليه وسلّم عليهنّ وقال : « ادعون لي حبيبي فقالت عائشة رضي اللَّه عنها : يا رسول اللَّه ، إن أبا بكر رجل رقيق ، أمرت عمر يصلي بالناس ، فقال صلّى اللَّه عليه وسلّم : إنكن صواحبات يوسف [ ( 1 ) ] عليه السّلام ، ادعون لي حبيبي إنما أفعل ما أومر » فدعي أبو بكر رضي اللَّه تعالى عنه [ ( 2 ) ] . استخلاف أبي بكر رضي اللَّه عنه في الصلاة بالناس فلما جاء قال له : اذهب مع المؤذن ، فصلّ بالناس ، فلم يزل أبو بكر رضي اللَّه عنه يصلي بالناس حتى كان اليوم الّذي مات فيه رسول اللَّه [ ( 3 ) ] وتوفي رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يوم الاثنين .

--> [ ( ) ] كلام العرب فأحدهما النصف . . من ذلك قولهم : شاطرتك مالي ، والوجه الآخر : القصد ، يقال : خذ شطر زيد ، أي قصده ، قال اللَّه تعالى : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي قصده . [ ( 1 ) ] يريد كثرة التظاهر على ما يرون ، وكثرة إلحاحهن في طلب ما يردنه ويملن إليه . [ ( 2 ) ] راجع ما ذكره البيهقي في دلائل النبوة - باب ما جاء في أمره ، حين اشتد به المرض - أبا بكر الصديق رضي اللَّه عنه أن يصلي بالناس ج 7 / 186 وما بعدها . [ ( 3 ) ] هذا يحتمل أن أبا بكر رضي اللَّه عنه صلّى بالناس طيلة فترة مرض رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم إلى اليوم الّذي توفي فيه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم حيث قام بالصلاة بالناس ، وانتهى ما أمره به النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم . في ذلك وردت عدة أحاديث ذكرها البيهقي في دلائل النبوة ، باب ما جاء في آخر صلاة صلاها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بالناس ج 7 / 189 .